الرئيسية / فكر وثقافة / أندريا ليفي الروائية البريطانية التي أحسنت تصوير معاناة مهاجري الكاريبي

أندريا ليفي الروائية البريطانية التي أحسنت تصوير معاناة مهاجري الكاريبي

عرفت تجارة العبيد انتشاراً واسعاً في العالم بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، حيث يُقدّر عدد الأفارقة الذين تمَّ نقلُهم إلى القارة الأمريكية وجزر الكاريبي خلال هذه الحقبة بنحو 12.5 مليون شخص. وبعد نقاش في بريطانيا، صادق البرلمان البريطاني سنة 1807 على قانون إلغاء تجارة العبيد في كامل أنحاء الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس. لكن إلغاء هذه التجارة وتحرير العبيد لم يكن يعني في أي حال من الأحوال نهاية مأساة هؤلاء العبيد، ولا معاناة أحفادهم من أمثال المهاجرين الذين تدفقوا على الجزر البريطانية في أربعينيات القرن الماضي قادمين من جامايكا وجزر كاريبية أخرى، وهم اليوم يشكلون شريحة معتبرة في المجتمع البريطاني.
الكاتبة البريطانية من أصل جامايكي أندريا ليفي التي توفيت يوم 14 فبراير/شباط هذه السنة عن عمر يناهز 62 سنة بعد إصابتها بمرض السرطان، هي من أحفاد هؤلاء المهاجرين ومن الأقلام القليلة التي كرست حياتها للكتابة عن هؤلاء المهاجرين ومتاعبهم وصراعهم المتواصل لأجل الحياة إلى جانب البيض في المجتمع البريطاني.

كتابات تصوِّر الواقع المعاش

لعلّ أبرز ما يشدّ الانتباه في مسار أندريا ليفي الأدبي هو الانطلاق من الواقع. فمنذ بداية مشوارها الأدبي في تسعينيات القرن الماضي، سعت أندريا ليفي لتحويل قلمها إلى ريشة تعشق ألوان الواقع المعاش وتعانقه، لترسم لوحة دقيقة وصادقة تعكس حياة مهاجري الكاريبي في بريطانيا. أندريا ترتحل بالقارئ إلى زمن مضى، ليعيش معها تجارب أبناء الكاريبي في بريطانيا بكل تفاصيلها. نلمس ذلك بشكل واضح في أول عمل روائي لها بعنوان «كل ضوء في البيت يحترق» الذي أصدرته عام 1994، وهو شبه سيرة ذاتية، يروي صراع أسرة جامايكية لأجل الحياة في لندن في سنوات الستينيات من القرن الماضي.
أندريا ليفي تعود بالقارئ مجددا إلى الماضي، وهذه المرة الى سبعينيات القرن الماضي، من خلال روايتها الثانية بعنوان «ليس أبدا بعيدا عن أي مكان» الصادرة سنة 1996، وتروي حياة بنتين من أصل كاريبي في أحد الأحياء الفقيرة في لندن في تلك الحقبة. وتواصل أندريا سرد تجارب هؤلاء المهاجرين في روايتها الثالثة بعنوان «فاكهة الليمون» الصادرة عام 1999. أندريا لم تكتب هذا العنوان ولم تذكر شجرة الليمون وفاكهة الليمون في هذه الرواية من باب المصادفة. فطعم الليمون المرّ في هذا العمل إشارة إلى مرارة طعم الميز العنصري الذي عانى منه المهاجرون الجامايكيون في بريطانيا. وهنا ربما يجدر بنا التساؤل عن قصة هؤلاء المهاجرين.
حلّ هؤلاء المهاجرون في بريطانيا في سنوات الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي. وصل جلهم على متن سفن من جزر الكاريبي التابعة للكومنولث مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث قامت الحكومة البريطانية بتوظيف هؤلاء لإعادة بناء الاقتصاد البريطاني المنهار بعد الحرب. ويوجد في الجزر البريطانية، حسب إحصائيات عام 2001، نحو 565876 شخصا من أصول كاريبية سوداء، وهو ما يمثّل نحو 1٪ من مجموع سكان بريطانيا.

الرواية التي صنعت شهرتها

ما يلفت الانتباه أيضا في مشوار أندريا ليفي الأدبي هو أنّ أعمالها الأولى لم تحقق نجاحا كبيرا، وبقيت في واقع الأمر منحصرة في إطار ضيق في أوساط قراء مهتمين بتجارب مهاجري جزر الكاريبي في بريطانيا. ولم تتحقق الشهرة إلاَّ عام 2004 بصدور روايتها الرابعة بعنوان «الجزيرة الصغيرة».

ما يلفت الانتباه أيضا في مشوار أندريا ليفي الأدبي هو أنّ أعمالها الأولى لم تحقق نجاحا كبيرا، وبقيت في واقع الأمر منحصرة في إطار ضيق في أوساط قراء مهتمين بتجارب مهاجري جزر الكاريبي في بريطانيا.

الرواية تروي قصة زوجين: زوج بريطاني أبيض البشرة وزوج جامايكي أسود وصراعهما للتعايش أثناء الحرب العالمية الثانية وما بعدها. الرواية تعرض مقارنات في المجتمع البريطاني بين أصحاب الأرض والجالية الجامايكية، أو بعبارة أخرى، بين البيض والسود النازحين من جزر الكاريبي والعلاقات بين أفرادها وما وقع من تمازج بينهم.
الرواية تغوص في مسائل شائكة مثل الهوية والوعي العرقي، ولعلّ السرّ في نجاح هذه الرواية هو حب التعرف على تجارب مهاجري الكاريبي في الجزر البريطانية. وما ميّز هذه الكاتبة أيضا هذه النظرة الإيجابية التي نشاهدها في نهاية الرواية، فمع أنّها تسعى من خلال فصول القصة لتصوير الواقع المرير الذي يعيشه المهاجرون داخل المجتمع البريطاني، إلاَّ أنها تختار أن تختتم روايتها بالتفاؤل والأمل. ففي ختام هذه الرواية، تصور لنا الكاتبة كيف استطاعت المرأة البيضاء، صاحبة البيت، أن تستعيد شيئاً فشيئا ثقتها بالزوجين الجامايكيين وتبني معهما علاقة صداقة وثيقة.
رواية «الجزيرة الصغيرة» حققت نجاحا باهرا. فقد وصفتها صحيفة «الغارديان» البريطانية بـ«الكتاب الكبير» لأندريا ليفي. وفاز هذا العمل بعدة جوائز: جائزة أورانج للرواية، وجائزة ويتبريد لأفضل رواية بريطانية (التي تغيّر اسمها إلى جائزة كوستا سنة 2006). وتحصلت أيضا على جائزة الكومنولث للأدب. ولم يتوقف نجاح هذه الرواية عند هذا الحد. ففي سنة 2007 حظيت هذه الرواية بالمشاركة في برنامج Small Island Read للقراءة الجماعية، بمساهمة أربع مناطق في بريطانيا، احتفالا بذكرى مرور مئتي سنة على إلغاء تجارة الرقيق في بريطانيا عام 1807. ومن خلال هذا البرنامج، تم توزيع 50 ألف نسخة مجانية من رواية «الجزيرة الصغيرة» لأجل التعريف بالعبودية وتجارة العبيد ونشر التوعية العرقية بين الجماهير.
لم تكن أندريا أول من صور تجارب مهاجري الكاريبي في بريطانيا، فقد سبقها إلى ذلك كتاب من أمثال جورج لامينغ وسام سلمونغ. لكن إسهامات أندريا تبقى مميزة عن كتابات كل هؤلاء بفضل تركيزها على تصوير تجارب أطفال الكاريبي، لاسيما تجارب البنات.
رحلت الكاتبة وبقي اسمها منقوشا بأحرف من ذهب في سجل التاريخ، من خلال أعمال روائية واقعية رائدة تزخر بتشعبات قضايا مهاجري الكاريبي وقضايا المرأة الكاريبية. ففي الوقت الذي بحث فيه كثير من الأدباء المعاصرين في بريطانيا عن فضاءات مستقلة عن الواقع لتجسيد إبداعاتهم الأدبية، فإنّ أندريا ليفي اختارت منذ البداية مسارا مختلفا مرتبطا بالتاريخ والأصل والأجداد والوقائع الاجتماعية، مسلطة الضوء على واقع حياة أفراد من بني جلدتها يحيون في بريطانيا منذ أكثر من نصف قرن. فنجحت بفضل ذكائها وموهبتها في نقل تجاربهم، وتصوير علاقاتهم مع البيض في المجتمع البريطاني، وصراعهم مع الذات ومع الآخر، وقضايا المرأة والأطفال من أصول كاريبية، وأحسنت التعبير عن كل ذلك من خلال مشاهد حية نابضة تبوح بأسرار النفس.

الكتابة عن قضايا حساسة بإيجابية

ما يميز أعمال هذه الكاتبة أيضا مواقفها الإيجابية التي تتجلى في خاتمة روايتها التي تنبض بالأمل والتفاؤل بحياة أعدل وأفضل لهذه المجموعة. وليس من شك في أنّ هذه النظرة الإيجابية تنبع من شعور أندريا العميق بالانتماء إلى وطنين: جامايكا التي تنحدر منها وبريطانيا التي تحيا فيها، وإيمانها الراسخ بإمكانية تخلّص مهاجري الكاريبي من معاناتهم والتمتع بحياة عادلة كريمة في المجتمع البريطاني، وإمكانية مدّ جسور المحبة والصداقة والتآلف والثقة بين المجموعتين.
تجربة أندريا ليفي وأدباء آخرين سعوا لإلقاء الأضواء على الواقع الحياتي المعاش لمهاجري الكاريبي في بريطانيا، تدعونا ربما إلى التساؤل عما إذا كان الأديب العربي المقيم خارج الديار قد ساهم بقدر كاف في تصوير الواقع المعاش للمهاجرين العرب خارج الأوطان، والتعبير عن تجاربهم وهمومهم وانشغالاتهم وطموحاتهم، ووصف علاقاتهم وتمازجهم مع المحليين، والمساهمة بصورة إيجابية في توطيد أسس الثقة ومد جسور التآلف والوئام بين هؤلاء المهاجرين والأوطان الجديدة التي فتحت لهم أبوابها وأتاحت لهم فرصة الحياة إلى جانب أبنائها، ونقل هذه التجارب إلى القراء في البلدان العربية، وحفظها للأجيال القادمة؟

Print Friendly, PDF & Email

شاهد أيضاً

مسؤول تركي: منفذ اعتداء نيوزيلندا أقام في تركيا وأنقرة تجري تحقيقا لتتبع أنشطته واتصالاته

قال مسؤول تركي رفيع إن منفذ الاعتداء على مسجدين في نيوزيلندا الجمعة أجرى رحلات عدة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *