المجالي يستذكر وصفي التل

28 تشرين2 2016
7285 مرات

سمعتُ اسمَ الشَهيد وصفي التل لأول مرة من صديقه الشَهيد هزّاع المجالي، في زيارته لـ«الربّة»، حيث كان لا يُفَوّت عطلة نهاية الأسبوع دون أن يقضيها بين أقاربه وأهله فيها. يومها جاء هزّاع بعدها بأسبوع على تشكيلة وزارته الثانية في أيّار 1959، وروى للحاضرين أنّه بعدما تمّ تكليفه بتشكيل الحكومة من قبل جلالة الملك، ذهبَ إلى مكتب مجاور في الديوان، وتحدّث مع موظف برقيّات اللاسلكي في وزارة الخارجية، وقال له ابعث البرقية التالية للسكرتير في سفارتنا بطهران «وصفي التل»، ونصّها: «يَدٌ في الكتاب ورِجلٌ في الرِكاب»، وكان أول قرار لحكومة هزاع تعيين وصفي مديراً للإذاعة.

بعدها بأسابيع، جاء هزّاع للربّة، وكان معه رفيق جلس إلى يمينه وجلس إلى يسار هزّاع ابنه البكر أمجد. لَمحني هزّاع، وناداني أن أصحب أمجد، كالعادة، لنلعب «ونطشّ»، وتقدّمت للسلام عليه ومعانقته، فقال لي سلّم على عمّك وصفي، فسلّمت عليه وعانقته، وذكر له هزّاع اجتهادي في المدرسة، وأنّ لديّ اهتمامات كتابية وسياسية.

وجّه أمجد الكلام إلى والده وإلى وصفي قائلا: هذا أنا عمّه وأنا خاله، وكنّا نتناكف أنا وهو، وربّما إلى اليوم، مَن هو عمّ وخال الآخر، مع أنّه يصغرني بثلاث سنوات. يومها، أوضح هزّاعُ لوصفي، قائلاً: هذا أنا عمّه، وأم أمجد خالته.

كان ذلك في العام 1959، وكنتُ يومها في الصفّ الأوّل الثانوي، وعلى عتبات إنهاء دراستي في العام المقبل بعد الثاني ثانوي. وبعد ذلك بعام وبضعة أشهر، وقع «حادث الرئاسة في 29 آب 1960»، كانت صدمة رهيبة لي، وإلى اليوم، بعد 56 عاماً، لا أعرف حدثاً زلزلني مثله.

في إطار العزاء، وبعد أيام من انقضائه في الكرك، انتقل أبناء العائلة إلى دوّامة العزاء في منزله بعمّان، بجانب قصر زهران. كنتُ مع والدي، وكان وصفي حاضراً، سلّم والدي عليه بحرارة، وكنتُ إلى جانبه، وقال لوصفي: هذا «راكان»، فقال: تذكّرته، واحتضنني برجولة وحنان. وسألني: ماذا تريد أن تفعل بعدما أنهيت الدراسة الثانوية..؟ فأجبته: لا شيء، فقال بحدّة وتأنيب: لماذا..؟ قلت له: والله يا أستاذ أن الجريمة هشّمتني، وخربطتني، ولا أشعر أنني قادر على فعل شيء، على الأٌقل لعامين، فقال لي: أخبرني «أبو أمجد» أن لديك اهتمامات كتابية، لماذا لا تأتي للعمل معنا في الإذاعة إلى أن تستعيد توازنك، ثمّ تذهب للجامعة. فقلت له: إنّني غير قادر على القيام بأيّ شيء، فقال: الحياة لا بدّ أن تستمر، تعال غداً صباحاً عندي في الإذاعة. وهكذا، ذهبتُ، ووجدته قد حضّر كتاب تعييني، وبدأتُ العملَ في اليوم التالي، محاطاً برعايته وعنايته.

كان كلّ شيء على ما يرام، إلا أنّني لم أكن مرتاحاً للغة الأستاذ «صلاح أبو زيد» الـ«صِداميّة» و«التقريعيّة» مع الزملاء، حيث كان نائباً للمدير ومديراً للبرامج. وكنت أنتقد ذلك شفوياً، ثمّ تحول إلى كتابياً، وذُروةُ ذلك حدثت بعد أشهر، وهي أنّني كتبتُ خبراً في مجلة «حول العالم»، التي كنتُ أحرّر فيها، وأكتبُ أحياناً، وكان الخبر قاسياً، ومفرداته تصل إلى حدّ الشتائم وهو فعلياً لا علاقة له بالنقد. يومها، ذهب صلاح إلى وصفي، منفعلاً، وقال له: يا أنا يا راكان، وأطلَعه على الخبر، فقال له وصفي: «إذا كانت شخصيّتك هَالقَدّ هَشّة» أحسن لك أن تستقيل. وللإنصاف، لم يتوقّف صلاح عن صداميته، فعندما كنتُ أكتبُ، كان يقول: «أنا لولا عيون هزّاع بَرميك بَرّاةِ الإذاعة»، وكنت لا أسكت، ونتلاسنُ أحياناً.. إلخ.

أوردتُ هذه الواقعة لأقول أن وصفي لم يسألني، ولا مرّة، فيما أكتب ومهما كان، فقد كان يكرّر القول، على الدوام: «الّلي بيشتغل في العمل العام لا يجوز أن يتوقّف عند النقد.. ». وكما هو متوقّع، كانت حكومة «بهجت التلهوني» تريد الخلاص من وصفي في الإذاعة، وكمَخرج لذلك، تمّ تعيينه سفيراً في بغداد، وذهبتُ لأودّعه، وعرَضَ عَليّ أن أذهب معه إلى بغداد، فاعتذرت.

في أواخر الشهر الأوّل من العام 1962، سَرَتْ إشاعة أن هنالك تغييراً حكومياً، وأنّ جلالة الملك كلّف وصفي التل بتشكيل حكومة جديدة. وبالفعل، كان وصفي في عمّان، وعلمت أنّه زار حابس المجالي، القائد العام للقوّات المسلّحة آنذاك، كما زار «أم أمجد». وعندما رأيت أم أمجد سألتُ إذا كان وصفي سيشكّل وزارة، فقالت: أكيد، وهو أخبرني بذلك. وكنت أنا وأمجد معاً، ساعتها، فاقترحت عليه، أن نذهب لزيارة وصفي في مقر إقامته بفندق نادي عمّان، فوق سينما زهران، واستقبلنا بحرارة ودفء، وعجبت أنّه كان لا يزال يكرّر عبارته، التي كان يكرّرها في فترة عملي معه في الإذاعة، في تعبير تحسّرٍ على هزّاع، وهي: «والله جارحة يا أبو أمجد .. أنا على طريق أبو أمجد»، وسألناه عن التشكيلة، فقال إنّه لا يزال يفكّر في الأمر.

عُدتُ له في اليوم التالي، فقال لي: أنّه يفكّر في «وزارة تكنوقراط»، فسألته: ما السبب، فقال: «لا بد من مراعاة الأميركان، الذين كانوا وراء اختفاء هزّاع، ويستهدفونني». حاولت أن أستفسر أكثر، فنهرني وقال: خلَص أنا فكّرتك شاب فصيح، وأنّك فهمت، والذي قلته لك لا أقوله لأحد، بس أنت إبني. سكتتُ، وظللت أتردّد عليه، ولم أكف عن طرح الأسئلة غير المباشرة بفضول، متمادياً، لألتقط الصورة، واستنتجت أن وصفي أدرك أن المشروع الذي تبنّاه هزّاع، وقام بتنفيذه من خلال الإذاعة، ببلورة وترسيخ الهوية الأردنية، هو خطٌّ أحمر عند الأميركان.

وفي جلسة كنت أحضرها مع آخرين، كان يروي شهادته على موافقة الأردنّ على «الكيان الفلسطيني»، في مؤتمر «شتورا»، وذلك قبل يوم من حادث الرئاسة، ومما قاله: أن هزّاع اتّصل بوزير الخارجية موسى ناصر، وكان وصفي أبرز أعضاء الوفد الأردني، وقال هزّاع لموسى ناصر: وافق يا موسى باسم الأردنّ على الكيان الفلسطيني في جلسة اليوم، فردّ موسى، مكرّراً ذلك مراراً: هل تعني ما تقول يا دولة الرئيس..؟ فقال له: ستعمل ما قلت لك، ويكمل وصفي قائلاً: لقد دفع موسى ناصر التلفون نحوي، وقال: اسمع يا وصفي شو قال الرئيس، بالله عليك تيقّن من الكلام أنا لا أستوعب، وتحاورَ هزّاع ووصفي مطوّلاً، وكان القرار نهائيّاً، كما قال وصفي، الذي أضاف: كما تعلمون أن تعزيز الهوية الأردنية هو تعزيز للهوية الفلسطينية وتعزيز الهويّتين محرّم..!

كنتُ أذهب لزيارة وصفي في منزله، سواء كان خارج الحكم أو داخله، في فترات متباعدة. وعلى هامش الحديث عن وصفي، وقعت مسألة كنتُ طرفاً فيها، وأدّت تداعياتها لأن تكون القشّة التي قصمت ظهر «حكومة بهجت التلهوني»، وتكليف وصفي بتشكيل حكومته الثانية. وملخّص ذلك أنّه أنشأنا نادياً لموظفي الإذاعة، وأرتأينا ذات مرة أن نُقيم احتفالاً في الذكرى الثالثة لميلاد ولي العهد آنذاك «الأمير عبد الله؛ جلالة الملك حاليّاً». يومها، كان صلاح أبو زيد وزيراً للإعلام، وكان يتّصل بالإذاعة في وقت متأخّر، صادف اقتراب انتهاء الحفلة، فتأخّر عامل المقسم في الردّ عليه، فانهال عليه بالإهانات، وقال له: أعطني أي أحد، وكان بعض الزملاء بدأوا بالخروج، فتحدّث معهم واحداً واحداً ، بإهانات قاسية، وكنت قد دخلت الاستعلامات، وسألت الضابط المسؤول عن الأمر، فقال لي هذا وزير الإعلام ما خلّى ولا بقّى. فاندفعت إلى التلفون في يد أحد الزملاء، وانتزعته، وسألت صلاح: ماذا تريد..؟ فقال لي أعطيني غيرك، وانفجرت فيه بأكثر مما أسمعَ الزملاء. وفي اليوم التالي، ذهبنا للدوام، واكتشفنا أنّ 40 من موظفي الإذاعة (من أصل العدد الكليّ لموظّفي الإذاعة البالغ 110 موظفين) ممنوعون من الدخول، لأنّهم قد طُردوا من العمل، ولم يعودوا موظفين..! وهكذا، شكّلنا، نحن المطرودين، مجموعة احتجاج، وكتبنا برقية لجلالة الملك، ومذكّرات، واتّصلنا بكبار المسؤولين في الحكومة. وقد كان الشريف عبد الحميد شرف، الذي هو على تناقض شديد مع صلاح أبو زيد، مساعداً لرئيس الديوان الملكي، وبذل عاكف الفايز، الذي كان حينها رئيساً لمجلس النوّاب، وآخرون جهوداً في محاولة تصحيح الأمر، وكتب الأستاذ الصحفيّ الكبير يوسف حنّا مقالاً افتتاحياً بامضائه، في جريدة الدفاع، انتصر فيها لنا، وكان وصفي من بين الذين اتّصلت بهم، وقال لي تعال وحدك، ونصحني أن اعتمد على غيره، لأنّه «صُوفته حَمرا»، ولكنّه كان في مجلسه الدائم يكرّر احتجاجاتنا. وقد كان وزير الإعلام والحكومة قدّموا للملك رواية بأنّ الاحتفال كان شكلياً، في ذكرى ميلاد الابن البكر ولي العهد الأمير عبد الله، وأن الحفلة كان فيها ما يخرج عن التقاليد ويخدش الحياء، فحصلوا على الضوء الأخضر بطردنا، وكانت مؤسسة الديوان والبرلمان معنا، فأصبحت القضية قضية رأي عام. وبعد أكثر من شهرين تنبّه الملك حسين إلى ضرورة وضع حدّ للقصّة، فطلب تقرير من المخابرات، التي كان عناصرها ضمن حرس بوابة الإذاعة من حضور الاحتفالية، وكذلك من الشرطة، وقائد لواء الحرس وأركانه، الذين حضروا الاحتفال. فكتبوا جميعاً، ومن دون أي تنسيق بينهم، كلاماً متطابقاً مع ما كتبناه في مذكرتنا له، فغضب الملكُ غضباً شديداً، وسأل كيف تكذبون عليّ..!؟ وبالتالي، بدأ العدُّ العكسي لرحيل الحكومة لأسباب كثيرة، قبل أن تكون هذه الواقعة هي القشّة التي قصمت ظهر البعير، وتمّ تكليف وصفي بتشكيل الحكومة، وجاء معه ذوقان الهنداوي وزيراً للإعلام، وتمّت إعادتنا، معزّزين مكرّمين، للإذاعة، حسب تعبير وصفي.

بعد فترة قصيرة من تأليفه الحكومة، اختار وصفي رجلاً لا علاقة له بالإعلام، هو نزار الرافعي، الذي عيّنه مديراً للإذاعة، وكنتُ على خلاف شديد مع نزار، الذي كان يصرُّ على أنّ الدوام هو أهمّ شيء، وأنه لا يجوز أن يتأخّر موظف عن التاسعة صباحاً، وكان أكثرنا يأتي على العاشرة، فكان يخصم على كلّ من يتأخر بعد التاسعة، يوماً أو أكثر، وحاولت إقناعه أنّني أكتب برنامجاً يومياً هو «جريدة المساء»، وأنّني أحياناً أستمرّ في العمل حتى منتصف الليل، وأنّني أكتب بعض مواده في المنزل، وكان لا يقتنع، وظلّ وصفي منحازاً لنزار.. إلخ. ثمّ جاءت بعد وصفي حكومة سعد جمعة، واستمرّ الشريف عبد الحميد شرف وزيراً للاعلإم، وكانت تربطني به صداقة قوية وعميقة، وكانت هنالك معضلة تواجهها الدولة الأردنية، وهي أنّ كل الصحف اليومية تصدر في القدس ،وكان الشريف عبد الحميد، الذي كان وزيراً للإعلام، في مجالسنا الخاصّة، يشكو من هذه العقدة، التي تؤرّق جلالة الملك حسب قوله، فاقترحت عليه، ذات مرّة، صيغةَ دمج الصحف الأردنية في صحيفتين يوميّتين، واحدة تصدر في القدس وأخرى تصدر في عمّان، فردّ عليّ الشريف عبد الحميد: أنت مجنون..! وبعد استهجان لهذه الفكرة، التي قال أنّها مستحيلة، تمّ إقرارها في النهاية، بعد مخاض عسير، في ربيع العام 1967، وكان لي دور أساسي في إصدار جريدة القدس، التي حقّقت نجاحاً باهراً، وتلك قصّة أخرى تستحقّ أن تُروى، ولكن مكسبي الأهم هو أنّني تخلّصت من قسوة ومزاجيّة نزار الرافعي.

مرّت الأيام في ظل سنوات التوتّر، التي سبقت أيلول 1970، وما كان من الأحداث المؤسفة، قبل أيلول بأشهر، ومنها أنّ مجموعة من «تنظيم فتح» خطفوا المرحوم سليم الشريف، وقتلوه، في الوقت الذي كان يستعدّ لإصدار جريدة الجهاد في عمّان، وبدأ بنشر الاعلانات في التلفزيون عن قرب موعد صدورها، ولكن «الجهاد» وُئدت بمقتل سليم الشريف، الذي كان قد حصل على قرض من بنك القاهرة بكفالة الحكومة، وبعد أيلول اضطرّت الحكومة لسداد ديون بنك القاهرة. وكُلّف وصفي بتشكيل الحكومة في 28 تشرين أوّل من العام 1970، وكان أوّل ما فكّر فيه هو إصدار جريدة اسمها «الرأي»، بعد أن أصبحت كل معدّات ومبنى صحيفة سليم الشريف المؤودة ملكاً للدولة، وكلّف أمين أبو الشعر، مدير المطبوعات، أن يبدأ بالإعداد لإصدار الجريدة. وكان أمين عقلية صحفيّة قديمة، من جيل الأربعينيات، حيث كان يصدر جريدة «الرائد»، واستعان بعدد من أصدقائه القدامى، وكلّهم لا علاقة لهم بالصحافة، وإنّما كانوا كتّاباً صحفيين، وكنت قريباً جداً من أمين أبو الشعر، واقترحَ عليه وصفي، بعد تجربة جريدة «القدس»، بالالتزام بالقانون، وتعييني محرّراً مسؤولاً، حيث ينطبق عليّ القانون، كصحفي وجامعي، ولا يظل إلا أن أستقيل من الإذاعة، مراعاة للقانون.

وعرض عليّ أمين الأمر فاعتذرت، وذلك حديث آخر، ولكنّي عملت مع أمين، مع عدد من الزملاء، وكان وصفي يمرّ مرات، لدقائق، على الرأي، وهو في طريقه للرئاسة من بيته في الكمالية قرب صويلح، ومرّة سألني لماذا يتعثّر الصدور، فقلتُ له: إنّنا غرباء على الآلات الحديثة وطرق الطباعة الجديدة، وسألني: ما العمل..؟ فقلت له: نحتاج إلى صحفي خبير، يساعدنا في ذلك. وفي نفس اليوم، اتّصل وصفي مع غسان تويني، رئيس تحرير جريدة النهار، وأرسل لنا الأستاذ محمود غزال، المدير المسؤول في النهار. وبدأ غزال يقوم بواجبه في تقسيم العمل، وإرشادنا، ولكنّ ذلك كان يصطدم بتمسّك أمين بمَن لا كفاءة لهم ولا اهتمام. وتمكّنا، بصعوبة، خلال 25 يوماً، من إصدار أربعة أعداد تجريبيّة، وكان ذلك غير مبشّر. وأذكر أنّ وصفي التل، عندما اطّلع على أوّل عدد تجريبي، قال لي ينقصنا الكاريكاتير، وينقصنا أن تكون الانتقادات للسلبيّات موجودة. في العدد الثاني، طلبت من زميلنا شاكر عربيات، الذي كان هاوياً رسم الكاريكاتير، أن يرسم له رسماً كاريكاتيريّاً، وكان عبارة عن تل موشّى بأوراق مكتوب عليها وعود وأماني وتصريحات، تسويفات، وعشرات العناوين المماثلة، وكتب تحته: «حكومة التل»، وعندما اطّلع وصفي على الكاريكاتير قال: «فكُّونا من بَرادة الوجه»..!

وبعد 25 يوماً من تجربة محمود غزال، كنتُ أدخل أنا والزميل غزال والصديق طارق مصاروة، صباحاً، إلى الرأي، وبعد دخولنا، التقانا أحد الزملاء، وقال: إقرأوا القرار الملصق على لوحة الاعلانات. فوقفنا أمام اللوحة، وكان قراراً من أمين أبو الشعر، بطردنا نحن الثلاثة من الرأي، وعدتُ إلى قواعدي في الإذاعة، وقد تنفّست الصعداء، رغم عشقي للصحافة. بعد أقل من أسبوعين، شاع خبر أنّ وصفي قد عيّن نزار الرافعي مديراً للرأي، بدلاً من أمين أبو الشعر، وفعلاً، تمّ ذلك ،وفي نفس اليوم، اتّصل بي مساءً في الإذاعة جميل نظيف، مدير مكتب الرئيس وصفي التل، وقال لي: إنّ الرئيس يريدك حالاً، وسأبعث لك سيارة تُحضرك، وذهبت وقابلت وصفي، الذي بادرني بالطلب منّي أن أعود للرأي، فقلت له لو خيّرتني بين الإعدام وبين العمل مع نزار الرافعي فأنا أختار الإعدام، وبعد جدل صاخب، أقنعني بالذهاب وقال: «ما عليك من نزار، وأعطاني أرقام هواتفه الخاصّة». لم أكن مرتاحاً للصدوع لرأيه، ولو أنّه داعب غروري بالقول: «ما في غيرك».. إلخ، فقلت له: أنا أريد أن أكون صادقاً معك، بأنّني أنا وغيري لا معرفة لنا بالأساليب الحديثة لإصدار الصحف، وإذا كان لا بدّ فأنّه من الضروري أن يحصل فريق العمل على دورة قصيرة في جريدة «النهار» المتطوّرة، لعلّنا نفعل شيئا. وبعد أسبوع، جرى ترتيب سفرنا لبيروت، لأخذ هذه الدورة الصحفية في «النهار»، عدنا من هذه الدورة بعد 6 أسابيع، فاستدعاني وصفي وقال: نريد الإسراع باصدار الجريدة الآن، لا عذر لك، فقلت له: إذا أردت الصحيح فإنّه رغم هذه الدورة فأننّي أعتقد أنّنا لن نحقق النجاح المطلوب، ولا بدّ من صحفي متمرّس، ليقود العملية، فسألني إذا كان في ذهني اسم معيّن، فقلت له: إنّني كنت أسال في بيروت عن الكفاءات الصحفية، وأجمع أكثرهم أن هنالك صحفياً مخضرما ومبدعا اسمه محمود زين العابدين، فسألني إذا كنت قابلته فقلت له لا، لكنّني سمعت عنه، وأغلب مَن رأيت من الصحفيين اللبنانيين قالوا إنهم تتلمذوا عليه. وخلال 48 ساعة، تمّ إحضار محمود زين العابدين، ومعه جواز سفر أردني، وهكذا ولدت «الرأي»، في 2/6/1971. يومها، بكينا، عند صدور العدد الأول، ولكنّ وصفي كان الأكثر تأثّراً وسروراً، بما أسماه الوليد الجديد.

في فترة وصفي، حصل في تجربة الرأي الكثير من القصص، ولكنّي أتوقّف عند اثنتين منهما؛ الأولى بعد فترة من صدور الرأي، حيث اتّخذت حكومة وصفي قراراً برفع الضرائب، واتّصل حينها وصفي بنزار، وطلب منه كتابة مقال، يتضمّن التأكيد على أنّ الضرائب مصلحة عامة، وأنّ وارداتها تتحوّل إلى خدمات وطرق ومياه وكهرباء، فطلب منّي نزار أن أكتب مقالاً بذلك، فاعتذرت، لأنّني لا يمكن أن أُؤَيّد الضرائب، وصادف أنّ زميلنا سليمان المشيني كان انضمّ لأسرة الرأي، فكلّفه نزار بكتابة مقال بالمعنى الذي أراده وصفي، فكتب مقال مديحٍ بالإجراء مبالغاً فيه، وجاء نزار بالمقال لي فقلت له سوف نطبعه وننشره. ومن مزايا نزار أنّه كان كثير النسيان، إلا أنّه تذكّر المقال بعد ثلاثة أيام، وسألني عنه، فقلت له إنّني ضيّعته، فاستكتب سليمان المشيني المقال مرّة أخرى، وأخذه عنده، وأرسله للطباعة، وسحب منه عدة نسخ، وأرسل لي واحدة، ومن حسن الحظّ، أنّ نزار كانت لديه عقدة أنّ جريدة الدستور، التي كانت راسخة وتنشر أخباراً محلية أكثر منّا، ولذلك كان كلّما سألني لماذا لا تنشر المقال أجبته هل تريدني أن أرمي الأخبار المحلية المهمّة وأنشر المقال..!؟ فيقول: إيّاك إيّاك أن تهمل خبراً، وكان هذا هو العذر المتكرّر، بالضرب على وتر عقدة نزار، بالتفوّق على الدستور بنشر الأخبار المحليّة. وذات ليلة، كان لدينا شحّاً بالأخبار المحليّة، رغم أنّني كنت أخزّن كمية أخبار وتقارير محلية في دُرجي، ولكن تلك الليلة كانت بعد عطلة يومين، ولم تكن هناك أخبار، فجاء نزار في آخر الليل، وكانت لدينا صفحة فيها فراغات، فسألني لماذا تأخّرتم، فقلت له إنّه بسبب العطلة هناك شحّ في الأخبار، ولكن سنتدبّر الأمر، فانتفض، وذهب مسرعاً إلى مكتبه وأحضر نسخة من مقال الضرائب، وقال خُذ هذا إنّه يغطّي الفراغ في الصفحة، فاستمهلته، ولكنّه أصرّ وأعطاه لشاب لبنانيّ، هو فنّي المونتاج، وأدرتُ ظهري، وجلست على مكتبي، وأنا محتقن، وظلّ نزار واقفاً أمام طاولة المونتاج، إلى أن تأكد من لَصق المقال وذهب. بعد ذلك بدقائق، توجه فنّي المونتاج نحوي، وسألني باسم مَن هذا المقال، وبتوقيع مَن..؟ فقلت له، غاضباً: بتوقيع «منافق»..!؟ وتركني ومضى، وللإيضاح، فإنّني كنتُ وضعتُ تعاليم صارمة، بأنّه لا يجوز أن تنزل صورة بلا شرح تحتها، ولا يجوز نشر مقال بدون توقيع، ولأنّني كنت غاضباً لِمَا حدث، غادرتُ الجريدة، وهي المرّة الأولى، التي لا أعيد فيها مراجعة كلّ الصفحات قبل الطباعة.

أما محي الدين المغربي، فنّي المونتاج، فلم يكذّب خبراً، ووضع بين قوسين توقيع «منافق» بخط قلم «الرَبَر»، وذلك لأنّ طاقم صفّ الأحرف كان قد أنهى عمله لتلك الليلة. وفي الصباح، خرجت «الرأي»، وفيها ذلك المقال بتوقيع «منافق» في أسفل المقال بخطّ واضح، وأقام وصفي الدنيا على رأس نزار، حيث أنّ المقال بصيغة المبالغة فيه بدا، بتوقيع منافق، وكأنّه سخرية من رفع الضرائب. وكان نزار قد صبّ جام غضبه على المغربي، فنّي المونتاج، وقرّر طرده، ولكنّنا تداركنا الأمر بعد ذلك..!! أمّا أنا فقد أتيت الجريدة ظهراً، وعاتبني نزار بلطف، وربّما أنّه تذكّر حينها توصية وصفي له بخصوصي، عندما أرسلني إلى الرأي، حيث قال له: «بِدّك يا نزار تداري راكان زَي ما بتداري العَين الرَمدا، كما يقول المثل».

أما القصة الثانية، فهي تتعلق بمقال نشرته صباح ذات يوم. وهو مقال عادي جداً، ولا شيء فيه، إذ أنّني طالبت بأن تتحوّل تبرعات التلفزيون للدوائر الحكومية إلى تجميع مبلغ يتكفّل بإنشاء مسرح، في بلد لا مسرح فيه. وفي ذلك اليوم، أصدر وزير الإعلام قراراً بإعادتي إلى الإذاعة، ولم يتدخّل وصفي، أما نزار فأصرّ أن استمرّ في عملي بالجريدة دون الكتابة، في محاولة لتهدئة عدنان أبو عودة، وزير الإعلام، وأصرّ كلّ من الرجلين على موقفه، إلى أن أقنع مريود التل الأمير حسن بالتدخّل، فجمع الأمير أبو عودة والرافعي في الرأي، وأبدى أبو عودة وجهة نظره، وكذلك الرافعي، وبعد طول جدال، قال الأمير حسن: أريد أن أسألك يا نزار سؤالاً: كما هو مهمّ هذا الشخص للجريدة، فأجاب نزار بمبالغة: لولاه ما في جريدة. فأخذ الأمير خاطر أبو عودة، وتمّت تسوية الأمر بعودتي، أما وصفي، فقد نأى بنفسه عن هذه القصة، لكنّه هو الذي كلّف مريود بلفت نظر الأمير إلى القصّة.

ونصل في هذا المقال إلى المشهد الأخير، فقبل سفر وصفي للقاهرة، لحضور مؤتمر وزراء الدفاع، مرّ على الرأي، وكنت بالصدفة في مكتب نزار، وكانت زياراته للرأي خاطفة، فبادره نزار قائلاً: «شو الّلي بتساويه يا زلمة، كيف بدك تسافر للقاهرة إنت مجنون»..!؟ وخاطبه بقسوة وتوسّل أن لا يسافر، فقال له: في غيرك، وأوّلهم حابس، نصحني أن لا أسافر، وحتى جلالة الملك تمنّى عليّ أن لا أسافر، وأكمل نزار بنفس الوتيرة، فنظر إليّ وصفي وقال: شو رأيك في كلام هالمجنون..؟ فقلت له هذه أوّل مرّة أحسّ أنّ كلام نزار صحيح، فقال لي، بتحَبُّبٍ: «إنتَ انْضَبّ»، وأدار وصفي ظهره وخرج، ولم يتحرّك نزار من وقفته، والأغلب أنّه كان مشدوهاً، وخرجت مع وصفي لأودّعه، وقال لي، دون أن ينظر إليّ: «روح لشغلك»، ولم أتردّد بالسير إلى جانبه وتوديعه، وشعرت أنه قد هدأ قليلاً. وعندما وصل السيارة فتح بابها بعصبيّة، وقال لي: «حضّر حالك بدنا نصوّب الأمور بس أرجع. غصباً عنك، بدّك تقبل تصير رئيس تحرير، ويبقى نزار مديراً عاماً»، ولم أعلّق، لأنّ الموقف لم يكن يحتمل مناكفات إضافية.

وفي ذلك المساء المشؤوم، بعد السفر بيومين، كنت في مكتبي، وجاء المشرف على وكالات الأنباء، ومعه خبرا أوّليا يقول: إنّ وصفي تعرّض لمحاولة اغتيال، فكانت صدمتي وفجيعتي، ودخلت غرفة وأغلقت عليّ، وبدأت البكاء، وبعد ربع ساعة، جاء مشرف الوكالات وقرع الباب عليّ، وفتحت الباب، ليعطيني الخبر الأكيد باستشهاده، فتذكّرت قول المتنبي:

طوى الجزيرةَ حتى جاءني نبأ

فزعت منه بآمالي إلى الكذب

حتى إذا لم يدع لي صدقه أملاً

شرقتُ بالدمع حتى كاد يشرق بي

مسحت دموعي، وبدأت بالتماسك، فبالإضافة للفاجعة، كانت هناك مصيبة كبيرة بالنسبة لي، وهي أنّ عليّ وحدي تحمّل مسؤولية تعامل الرأي مع الحدث، حيث كان نزار الرافعي مسافراً خارج البلاد، ومن فوري انطلقت نحو الجامعة الأردنية، حيث كان هناك حفل تأبين على مدرج سمير الرفاعي. دخلت المدرج واندفعت نحو الصفّ الأوّل، وبالصدفة، كان هناك مقعد فارغ إلى جانب الدكتور سعيد التل، الذي جلست إلى جانبه وأبلغته الخبر، وأعجبت برباطة جأشه، وكيف تلقّى الخبر بهدوء، بأن أخرج ورقة من جيبه، وكتب عليها عبارات، وبعث بها للذي كان دوره في الخطابة، وهو عبد الله التل، وقرأ عبدالله التل الورقة، وقطع خطابه بأن أعلن أنّه وصل خبر حول اغتيال وصفي بالقاهرة، وأنّه يأمل أن يكون قد نجا من المحاولة، وأكمل خطابه التأبيني، ونظرت في الوجوه بالصفّ الأوّل، ولمحت وزير الداخلية آنذاك إبراهيم الحباشنة، فتقدّمت نحوه، وطلبت منه أن يأتي إلى الرأي بعد حفل التأبين، ولكن إبراهيم وكبار المسؤولين، بعد التأبين، ذهبوا إلى القصر الملكي، وعدت إلى الرأي. وكان عليّ أن أتعامل مع الحدث، خاصةً أنّ أستاذي محمود زين العابدين قال لي: «الموضوع الحساس مسؤوليتك اليوم»، واتفقنا على خبر الصفحة الأولى، والمانشيت، وكتابة الافتتاحية، والصورة، وكلّ شيء في ذلك اليوم كان يجب أن يكون استثنائياً، والحمد لله أنّه كان كذلك. وفي ظل عواطف هائجة حزينة في قاعة التحرير، زاد عليها أنّ عشرات من الأردنيين تدفّقوا إلى الرأي، بعضهم يحمل قصيدة أو مقالاً أو شعارات تنديد. في ظلّ ذلك، وبعد الاطمئنان عن صورة عدد الغد، وصل إبراهيم الحباشنة، فاستقبلته في مكتب نزار الرافعي، وعندما دخل قال لي: والله أنا من الصبح لم يدخل بطني غير الماء، الحقني بأي شيء، فقلت له نوصي لك من أي مطعم، فقال لي إحضر لي من الموجود في مقصف الجريدة، وبعد أن أكل بضع لقيمات، في ظلّ تأثّره الواضح، عرضنا عليه كلّ ما فعلنا، بما في ذلك الافتتاحية، وكان عنوانها «مصرع الرجل القوي»، وافَقَنا على كلّ ما عملنا، وأثنى على ما أنجزنا في ظل الكارثة، بعدها، استمرّت تغطية الرأي في اليوم التالي للحدث.

وبقي أن أقول، كشهادة، إنّني سمعت من وصفي، مراراً، بعد تشكيله حكومته الأخيرة ما مفاده؛ أّنّه لم يكن يريد للأحداث أن تصل إلى ما وصلت إليه، ولا أن يكون عنواناً لانقسام داخليّ، غير أنّه وجد نفسه، مرغماً، في وسط محنة موضوعيّة شديدة التعقيد. وللإنصاف، فإنّ وصفي لم يكن مرتاحاً لتهييج الهويّتين الأردنيّة والفلسطينيّة، وصدامهما، ويعرف جيّداً مدى خطورة ذلك ونتائجه الخطيرة في انقسام الضمير الوطنيّ لأبناء الشعب الواحد.

أما الاغتيال، فقد ظلّ هاجساً عند وصفي، وما كتبه زميلنا «إبراهيم سلامة»، في كتابه «غداً ندخل المدينة»، على لسان وصفي، خير دليل على ذلك. وقد جاء فيه ما نصّه:

«.. حتّى وجّه الكلام لي

_ قائلاً: هل كتبتَ رسالتك الصحفيّة؟

_ قلت: نعم. وأرسلتها صباح اليوم بالهاتف.

تابع: أنا استبقيتك بقصد نشر هذا الخبر.

قلت: تفضّل.

قال: (إنّ المخابرات المركزيّة الأمريكيّة تخطّط لاغتيالي)».

_ أما عملية اغتياله، فلم تكن على يد المجموعة، التي أطلقت النار عليه، ولكنّها كانت برصاصة جاءت من الأعلى، عبر قنّاص ماهر، دخلت من أعلى الكتف إلى القلب، وهو ما حدّثني به الصديق «سامي قموه»، الذي حضر مندوباً عن السفارة الأردنية في القاهرة، يومها تشريح «جثّة وصفي»، وهو كلامٌ مطابق لما كتبه إبراهيم سلامة، نقلاً عن «قرار الحكم النهائي في قضيّة اغتيال وصفي التل»، الذي صدر في القاهرة، بتاريخ 7 كانون ثاني/ يناير عام 1976، ونشرته «الأهرام وروز اليوسف، والمكوّن من 40 صفحة»، وقد جاء فيه حرفيّاً:

«إنّ الرصاصات، التي أصابت المغدور وصفي التل، لا تُستخدَم إلّا من قِبَل الشرطة المصريّة». بمعنى أنّها لم تكن من سلاح مجموعة المجرمين، التي كُلّفت باغتياله. - See more at: http://www.ammonnews.net/article/290685#sthash.hjJ969dn.dpuf

رأيك في الموضوع

التعليقات تعبر عن ارآء قراء الموقع و ليست بالضرورة تعبر عن رأي الموقع

جميع الحقوق محفوظة.