الأردن وخفايا «صفعة الحلفاء»: مساعدات أمريكية «مشروطة» فجأة وتكتيك يبقيه وحيدًا في مواجهة الحشد الشيعي وإسرائيل ومن دون «القدس»

09 كانون1 2017
1227 مرات

 يبدو أن المناخ الشعبي والعام في الأردن في طريقه إلى أجواء مماثلة لما حصل في حرب الخليج الأولى، حيث نقطة مصالح مشتركة، وحسّاسة في الوقت نفسه بين الدولة والقرار والشارع، وحيث مكان موحد ومصير واحد في مواجهة استحقاق ما بعد الصفعة الأمريكية الأخيرة.
يمكن الاستدلال على هذا المضمون من المداخلة الإذاعية المسيَّسة الشاملة التي تَقدَّم بها الرجل الثاني في الحكومة الدكتور ممدوح العبادي لمحطة «الحياة إف إم»، وتم اجتزاؤها إعلاميًا، عندما اعتبر أن احتشاد الشعوب العربية ومعها الأردني في الشارع أمر طبيعي للرد على العدوان الجديد. تلك كانت فرصة نادرة، وغير مألوفة، تعبّر عن انطلاق الأردنيين جميعًا من موقف واحد، تُجاه التحديات التي فرضها وعْد الرئيس الأمريكي على الدولة والنظام في المملكة قبل الناس والرأي العام.
الأردنيون موحدون تمامًا في موقفهم.. هذه رسالة العبادي الأساسية للرأي العام المحلّي، كما فهمتها «القدس العربي» من مصدرها المباشر، حيث التذكير مجددًا بشعار الرجل القديم كسياسي فاعل في المجتمع. عمومًا العبادي يعكس «النبض» الجوهري اليوم، حتى داخل نخبة القرار الأردنية، وهو يُعيد تذكير «القدس العربي» أن الحديث اليوم عن القدس ومكانتها في وجدان الأردنيين، على مستوى القيادة والشعب، لا عن مسألة قابلة للاجتهاد، حيث لا مجال للمزاودة على الأردن حكومة وشعبًا. 


يبدو تقدير الدولة الأردنية أن التفاعل مع الجمهور واستثمار ورقة الشارع قد يكون الخيار الأقل كلفة، قياسًا بخريطة الخيارات التي يمكن القول إنها جميعًا معقدة وضيقة هذه الأيام. قد يفسر ذلك أن الحاجة مُلحة وطنيًا وسط نخبة عمّان لإعادة قراءة المشهد بعمق بعد صفعة دونالد ترامب. الانطباع الأول في القراءة الجديدة سمعته «القدس العربي» في مواقع قريبة جدًا من مركز القرار، فقد اكتشفت المؤسسة بعد الضربة المزدوجة من واشنطن والرياض، أنها بلا حليف حقيقي، وأن شبكة التحالفات الاستراتيجية التي أسستها الدولة الأردنية منذ نصف قرن تخذلها عند الحاجة اليوم.


لا تستطيع مراكز ثقل القرار في عمّان تجاهل وعد ترامب في سقفه الزمني والموضوعي. وفي مستويات العمق أعيدت قراءة المشهد وترتيب أبجدياته، فقد لوحظ أن حلفاء الأردن الكبار يتخلون عنه بالقطعة والتدريج، في ثلاثة مواقع مفصلية، هي ملف الجنوب السوري، ثم الأزمة المالية، وأخيراً ملف القدس والوصاية الهاشمية.


تلك صدمة من العيار والوزن الثقيلين، أحبطت كل أدوات ورموز الإدارة والحكم فجأة، ليس بسبب تدرج وتدحرج الأزمات في الحضن الأردني فقط، بل أيضاً لأنها تعكس مستوى الإحراج الذي تجد السلطة نفسها فيه مع شارعها، تحديدًا بعد تراكم سلسلة من الاجتهادات والاتجاهات بالتزامن المبرمج والمقصود مع تجاهل بوصلة المجتمع الأردني وخياراته الواضحة. تلك بكل الأحوال، قصة مختلفة، تُروى اليوم في نطاق التهامس خلف ستارة نخب السياسة، وحتى البرلمان، وفي بعض مفاصل الإدارة العـليا.


القصة الأهم في تفاصيل التخلّي والتنكّر عند الحلفاء الكبار، فقد بدأ المسلسل مع ترك السعودية والولايات المتحدة ظهر الأردن مكشوفًا تمامًا، في الحدود مع الواقع السوري المعقد شمال المملكة، حيث انسحب الأمريكيون ومعهم الأشقاء الذين وعدوا بتمويل برامج استيعاب اللاجئين السوريين في الأردن جميعهم، قبل اكتشاف الأكذوبة وإنتاج أزمة في حضن الأردنيين ثم التخلي عنهم. وبلعت المؤسسة تلك الخيبة، وإن كانت تُحجِم عن التطرق لها، لكي تُبرز الخيبة التالية، فالشقيق السعودي يتخلّى تمامًا عن مساعدة الأردن حتى بعدما تُقدم حكومة الرئيس هاني الملقي المطلوب منها كله لفتح صفحة تعاون استثماري تَبيَّن لاحقًا أنه وهم وخيال.
في المحطة التالية، بدأ الأمريكيون يضعون شروطًا للمرة الأولى على المساعدات المالية للأردن، برغم خطاب الرئيس دونالد ترامب الإنشائي عن الشعب والملك المقاتلين حتى اضّطر الملك عبد الله الثاني شخصيًا لزيارة واشنطن ولقاء طاقم ترامب وأعضاء الكونجرس حتى يقرأ بصورة أعمق قصة الشروط المفاجئة التي بدأ يتحدث عنها الأمريكيون… هنا ولدت الصعقة السـياسية الثـانية.
لاحقًا يجد الأردن نفسه يتيمًا تمامًا في مواجهة، أولًا؛ الحشد الشيعي الذي يقترب من حدوده جنوب سوريا، وثانياً؛ الانقلاب الشامل والبنيوي لليمين الإسرائيلي على مصالح المملكة، وثالثاً؛ تجاهل وعد ترامب الوصاية الهاشمية والدور الأردني في القدس. حصل ذلك قبل أن تبرز رابعاً؛ حيث رائحة مريبة لرغبة سعودية محتملة في اختطاف الدور الأردني أيضاً في القدس، وتلك قد تكون المفارقة التي تكون قد دفعت عمّان للتقارب مع تركيا أردوغان.
وعلى الأرجح هي نفسها المفارقة التي تدفع سياسيًا محنكًا من وزن الدكتور العبّادي لامتداح اللقاء الأردني – التركي، ومطالبة الأردنيين بالاحتشاد في الشارع، لأن المعركة أصبحت في العظم والاستهداف للأردن جماعي والخيارات في غاية التعقيد. يترك حلفاء الأردن الذين تدور عمّان في فلكهم منذ نصف قرن المملكة المرهقة اقتصادياً ومالياً في سياق استهداف منظم لتقليص دورها لا بل المساس بمصالحها.
على نحو أو آخر بدأ مسؤولون أردنيون يُقرِّون بذلك، وبدأ سياسيون خارج المسؤولية يطرحون أجندات مختلفة، مرة لمصلحة القفز أصلاً في أحضان أردوغان، وغيرها لمصلحة الانفتاح المباغت على إيران، ومرة ثالثة على شكل دعوة للتأمل العميق والانتقال إلى مستوى مواجهة أكبر، قد تحتاج الدولة فيها للشعب الأردني بعدما تجاهلته بأكثر من صيغة منذ توقيع اتفاقية وادي عربة عام 1994. المنطق يقول: في ظل هذا التعقيد إن تحولات مهمة قد يكون بعضها دراماتيكيًا يتطلبُها المشهد اليوم، حيث لعبة ذكية تحت عنوان البقاء والعودة للأصل، متمثلًا في الشارع، وتنويع الخيارات والإقرار في الأثناء بمشكلات ذاتية موضوعية طالما تم إنكارها في طريقة إدارة الأمور والملفات، ومن باب أزمة الأدوات بعد أن أصبح الإنكار هنا لا معنى له.

رأيك في الموضوع

التعليقات تعبر عن ارآء قراء الموقع و ليست بالضرورة تعبر عن رأي الموقع

جميع الحقوق محفوظة.