اعتقد أن دولة الدكتور هاني الملقي ظلم نفسه كثيراً، عندما مارس طويلاً سياسة الصمت الإعلامي وترك لخصومه من جهة، وللإشاعات من جهة أخرى، حرية النهش به وبحكومته،خاصة على صعيد الممارسة الاقتصادية، حتى جاء لقاؤه مع برنامج ستون دقيقة ليضع النقاط فوق الحروف، وليذكر بالكثير من الحقائق التي غابت عن أذهان الكثيرين، وليعيد شحن طاقة الأمل لدى الأردنيين، خاصة وأن دولته ظهر في لقائه مع برنامج ستون دقيقة هادئاً واثقاً من نفسه، يمتلك رؤية واضحة لما يريده من إصلاح اقتصادي أكد عليه، نافياً ما حاول البعض أن يلصقه بحكومته من أنها حكومة جباية.

أولى الحقائق التي ذكر بها الدكتور الملقي هي: أن أزمتنا الاقتصادية الراهنة ليست جديدة، وليست هي الأزمة الاقتصادية الأشد في مسيرة الأردن،فقد عبرنا ما هو أشد وأخطر منها، فمن منا لا يذكر أزمة 1989 والتي عصفت باحتياطاتنا من العملة الأجنبية ومن الذهب وأدت إلى خفض قيمة الدينار الأردني. في حين أننا الآن قد تجاوزنا تداعيات ما سمي بالربيع العربي، واحتياطاتنا من الذهب والعملات الأجنبية مريحة، وهذه واحدة تسجل للدولة الأردنية.

وعلى ذكر ما يسمى بالربيع العربي، فإنه رغم شدة وطأة أحداثه على الأردن، وهي الأحداث التي عصفت بدول كانت أغنى من الأردن، مثلما أدت إلى ضائقة مالية شديدة في أكثر من دولة، كانت تتمتع بوفرة مالية أكبر بكثير من إمكانيات الأردن الاقتصادية والمالية، رغم أنها أبعد جغرافياً من الأردن عن الدول التي اكتوت بأحداث ما سمي بالربيع العربي، وبالرغم من ذلك كله استطاع الأردن عبور هذه الأحداث باقتصاد متين مع أن أحداث ما سمي بالربيع العربي أدت إلى إغلاق الحدود الأردنية مع كل من سوريا والعراق بكل ما يمثله هذا الإغلاق من خطورة على الاقتصاد الأردني باعتبار أنهما الرئتان اللتان يتنفس منها هذا الاقتصاد.

لم تتوقف النتائج السلبية لما سمي بالربيع العربي على الاقتصاد الأردني عند إغلاق الحدود، وشل حركة الترانزيت والتجارة فقط بكل ما حمله هذا الشلل من نتائج سلبية، بل إنه عرض الأردن إلى موجات جديدة من اللجوء البشري زادت عن خمس عدد سكانه، بكل ما يعنيه ذلك من زيادة في الأعباء على الاقتصاد، ومع ذلك فقد استطاع الأردن أن يعبر هذه المرحلة بأقل الأضرار الممكنة، وهذا ما ذكر به الدكتور الملقي مثلما ذكر أيضا بانعكاسات الأزمة الاقتصادية العالمية على الأردن

خلاصة ما أراد أن يقوله الدكتور هاني الملقي، وهو يذكر بسلسلة حقائق الواقع الاقتصادي، أنه رغم كل ما مررنا به من صعوبات، فإن اقتصادنا مازال متيناً وقادراً على مواصلة العطاء، وهذه واحدة تسجل لدولته وهي أن ننظر إلى الجزء الممتلىء من الكأس لنواصل امتلاك القدرة على مواصلة البناء.

لم يكتف الدكتور الملقي بتذكير من نسي بحقائق الوضع الاقتصادي، والعوامل الخارجية المؤثرة فيه، بل مارس دولته النقد الذاتي للأداء الحكومي، إن لجهة المشاريع غير المدروسة التي جرى تنفيذها والتي شكلت هدراً اقتصاديا، أو لجهة الإعفاءات الضريبة غير المبررة والتي مُنحت سواء بسبب البحث عن الشعبية الرخيصة، أو بسبب المجاملة لهذا القطاع أو ذلك، دون أن تعود هذه الإعفاءات بأية فوائد على المواطن أو على الاقتصاد الوطني لجهة انعاشه وتقويته، وكانت نتيجتها الوحيدة تفريغ قانون ضريبة المبيعات من محتواه، والحيلولة دون تحقيق الفوائد المرجوة منه وفق الدكتور الملقي.

وفي إطار ممارسته للنقد الذاتي أشار دولته إلى بعض الممارسات التي تؤذي الاقتصاد الوطني، ومنها التهرب الضريبي مما يستوجب وضع حد لهذه الممارسة، أما السلبية الثانية المؤذية التي أشار إليه دولته فهي الواسطة والمحسوبية، وما تلحقانه من أضرار بمجمل قطاعات الدولة، وبالاقتصاد على وجه التحديد مما يستدعي من الجميع التعاون لمحاربة هاتين الآفتين.

لم يتوقف الدكتور الملقي في حواره مع برنامج ستون دقيقة، عند حدود تشخيص الداء والإشارة إلى مواطن الخلل، بل ذهب إلى ما هو أهم من ذلك، أعني طرح الحلول والمعالجات التي تؤدي إلى الهدف النهائي هو زيادة الانتاجية،كهدف لكل عملية اقتصادية، وهي بالضرورة هدف اقتصاد أية دولة، وفي هذا المجال ذكر دولته العديد من الإجراءات التي أوعز بها، وباشرت الحكومة بتنفيذها، والتي من المتوقع أن يلمس المواطن أثارها في المدى المتوسط والبعيد، وأهمها إعادة الهيبة إلى حرمة المال العام، ومنع الاعتداء عليه، وغير ذلك من الإجراءات التي ذكرها دولته وسيلمس المواطن آثارها قريباً.

ظل أن نقول أن الرئيس الملقي ظهر كرجل مسؤول،وواثق بنفسه، قادر على الإبحار ضد تيار التجديف والإشاعة الهدامة، ملم بتفاصيل الواقع الوطني وباحتياجات المواطن الأردني الذي يحتاج من المسؤول إلى المكاشفة فقط، وهو بالضبط ما فعله رئيس الوزراء يوم الجمعة الماضي، والذي نأمل أن يكون بداية عهد ممتد من المكاشفة والمصارحة ففي ذلك خير للجميع وأولهم صورة الحكومة ورئيسها.

[email protected]