رواية غير مكتملة........د.صبري الربيحات

05 كانون2 2018
883 مرات

الرواية التي تقدمها كل أمة عن نفسها مهمة كقاعدة لتوحيد الافكار والمشاعر والايمان بها وتاريخها ودورها ورسالتها واهميتها بين الامم. في اليابان والصين والولايات المتحدة والملايو والبرازيل وسائر بلدان الدنيا هناك رواية لكل امة عن نفسها وتاريخها وامجادها وقيمها وابطالها وبصمات رجالاتها على جدار الزمن. الرواية او الحكاية التي ينسجها المؤرخون وتحملها الاحاديث والاغاني والمناهج والاشعار والاماكن وتخصص لتكريسها الاعياد والاحتفالات ويدافع عن رسالتها  ومصالحها وهويتها الفلاسفة والمؤرخون والشعراء والجنود, وتمنح الامم المراتب والالقاب والصفات لمن يعملون على خدمة رسالتها فيصبحون رموزا للكرامة والشجاعة والتضحية والحكمة والاستقامة وكل القيم التي تحرص الامة على تضمينها للرواية التي تقدمها عن نفسها في محاولتها الاجابة عن السؤال المركب المتعلق بـ"من نحن؟، ومن اين جئنا؟".
 في الكثير من روايات الامم لتاريخها يختلط الواقع بالاسطورة وتتداخل الاحداث مع الاشخاص للدرجة التي يصعب معها تفكيك المضامين او التحقق منها فتحتار الامم التسليم برواية الآباء واكسابها القدسية والايمان المطلق بصحتها ودحض كل ما لا يتفق معها باعتبارها مكونا من مكونات الهوية وقاعدة بنيت عليها الكثير من القصص واستمدت منها القيم والمبادئ والمواقف والافكار التي اكسبت الجماعة  وروحها وطابعها وصورتها الذهنية عن ذاتها وعن الآخر.
 الاميركيون الذين هاجروا من اوروبا بعد اكتشاف كريستوفر كولومبس لها في القرن الخامس عشر ينظرون للآباء المهاجرين باعتبارهم يمثلون جموع الاشخاص الذين حملوا رؤية ابداعية تتجاوز حدود المكان وروحا وثابة مغامرة طموحة مكنتهم من اتخاذ قرار الهجرة الذي كان سببا في اعمار القارة التي  تمسك سكانها الاصليون بتقاليدهم البدائية ورفضوا التكيف والتغيير الذي اصبحت البلاد عنوانا له.
في عالمنا العربي الاسلامي شكلت العقيدة الاسلامية واخلاقها السمحة وقيم العمل والعدالة والمساواة والنزاهة والصدق واحترام الكرامة الانسانية ابرز القيم التي شجعت الملايين في اسيا وافريقيا واوروبا على اعتناق الاسلام في الوقت الذي كان المسلمون اكثر ايمانا والتزاما بهذه القيم وجاء تمازجها مع ما حملته العروبة من معاني الشجاعة والكرم وحماية المستجير وفروسية المواجهة ليقدما نموذجا جذابا للاجابة عن سؤال من نحن؟ ومن اين جئنا؟.
الرواية العربية الاسلامية التقليدية التي حافظنا عليها كنص ووضعناها في دساتير دولنا وكتب التاريخ التي ندرّسها للابناء لم تعد قادرة على الصمود في وجه الاسئلة التي يثيرونها. فقد اصبح التناقض واضحا بين ما تحمله الرواية وما يكشفه واقع الأمة من غش وفساد ونفاق وفسق وتخلف. فالامة التي تتحدث عن القومية كاساس للوحدة تنحى نحو التفرد ومحاربة اي جهود لتحقيقها كما يفتقر حديثها عن الوحدة والاخوة والتعاون الى اي برامج ذات معنى لتجسيدها، ويلاحظ الشباب شيوع حالة انعدام الثقة والميل لعرقلة مساعي التنمية والتقدم. 
 الرواية الاصلية التي ندرّسها لأبنائنا في كتب اللغة والتاريخ ونرددها في خطب الجمعة ومواعظ الشيوخ تتعرض اليوم لهجمات متلاحقة من الداخل والخارج ولم تعد الصورة قادرة على الصمود الامر الذي دفع بالبعض الى البحث عن روايات  متنوعة يجري نسجها وتعديلها وفكها وتركيبها حسب الحاجة. الصغار والكبار يلمسون الفجوة الهائلة بين الرواية الاصلية وفوضى الروايات القطرية والفرعية ويجددون التعبير عن قلقهم ليطرحوا الاسئلة التي اعتقدنا اننا أجبنا عنها.
من نحن..؟ سؤال ما يزال يلح علينا ويحرجنا.. بالرغم من أننا نحيل كل من يطرح السؤال الى ماض لا يبدو أن لنا علاقة به.

رأيك في الموضوع

التعليقات تعبر عن ارآء قراء الموقع و ليست بالضرورة تعبر عن رأي الموقع

جميع الحقوق محفوظة.

آخر الأخبار