مراكز الدراسات وصناعة القرار.......د.صبري الربيحات

29 كانون1 2017
1268 مرات

ليست أميركا وحدها من يتابع ما يدور في العالم فأوروبا والكوريون والصينيون واليابانيون والاتراك يعرفون ادق التفاصيل والتغيرات التي تطرأ في مجتمعاتنا على مختلف الصعد والمجالات، فتستهدي مؤسساتهم وتجارتهم بالبيانات والاستنتاجات التي تقدمها المراكز البحثية والملحقون التجاريون والثقافيون في سفاراتهم ووكالات التنمية التي لا تعمل بعيدا عن السياسة.
في بلادنا عشرات الجامعات والمراكز البحثية التي تشتمل على كوادر واختصاصات تمكنها من توفير المعلومات والمقارنات والمشوررة لكن معظمها يعاني من التهميش ومحدودية الموارد وقلة الاهتمام والتقدير لما يمكن ان تقوم به. الإنفاق الاردني على البحث العلمي اقل من 1 % من الناتج القومي الاجمالي والمعلومات غير متوفرة للباحثين ولا أحد يهتم بما تعده المراكز من دراسات وأبحاث باستثناء القليل مما يجري إعداده على نطاق محدود لغايات الاستهلاك الاعلامي المحلي كاستطلاعات استكشاف شعبية الحكومات ومدى الرضا عن مسيرتها.
في الغرب تشكل مراكز دراسة السياسات المصادر الاهم للبيانات التي تستخدمها دوائر صناعة القرار، الأمر الذي يدفع بهذه المراكز الى تطوير عملها وبناء الخبرة والاختصاص لكوادرها في ادق المسائل والقضايا التي ترفد سياسات الدول الخارجية. في اكثر من مناسبة يطل علينا خبراء متخصصون في قضايا تتراوح بين مخيمات اللجوء وديناميكيات تجديد النخب والحراك الشعبي "الربيع العربي" وحتى في آليات عمل مجلس النواب الاردني. 
خلال الايام القليلة الماضية التقيت بعدد من الطلبة الاميركان ممن اختاروا او شُجّعوا على اجراء بحوث رسائلهم الجامعية حول قضايا اقتصادية وسياسية في الاردن. احدى رسائل الدكتوراة التي يعمل عليها طالب امريكي في جامعة ييل "Yale" المعروفة تتناول العلاقة بين التجارة والسياسة والتركيب الديمغرافي في الاردن، حيث يجري الباحث مقابلات مكثفة مع العديد من اصحاب الورش والاعمال في كل من القويسمة والحسا وناعور ليتعرف على الاسباب التي ادت الى تشكل مناطق صناعية وأعمال في هذه الاماكن واذا ما كان لهذه المناطق خصائص سكانية وعرقية وجغرافية ساعدت على إكسابها هذه الميزة. في حين يعمل الطالب الاخر من جامعة ستانفورد الشهيرة على دراسة آلية صياغة واقرار التشريعات في الاردن وطريقة عمل مجلس النواب وتأثيرها على مستوى المشاركة والرضا للناخبين.
 الاسئلة التي طرحها الباحثان من الولايات المتحدة واهتمامهما بالتفاصيل الدقيقة لحياتنا السياسية والاقتصادية وتحدياتنا التنموية أثارت لديّ الكثير من الشجون وانا اتابع ما يجري على الساحة العربية وأرصد تفاعلات الجامعات والمراكز البحثية والأحزاب السياسة والقوى المجتمعية معها. 
الأساتذة والباحثون في العلاقات الدولية والعلوم السياسية يؤتى بهم الى استوديوهات التلفزة ومحطات الاذاعة ليجيبوا عن اسئلة المحاورين دون الاكتراث لما يمكن أن يقولوا وما قد يقترحون بصورة بعيدة عن الأسئلة المعدة سلفا لغايات التعبئة المعنوية.
في حديث معمق مع اربعة من أهمّ اساتذة العلوم السياسية في الاردن قال احدهم لمسؤول سابق بانه لم يشارك في اي لقاء استشاري سوى مرة واحدة حيث دعي الى جانب مجموعة من عشرة اكاديميين استمعوا خلال النصف الاول من اللقاء الى عرض المسؤول وتناوب الحضور في النصف الثاني من الوقت المخصص للقاء للثناء عليه، في حين قال أستاذ آخر إنه دعي مرة واحدة للقاءٍ استشاري، إلا انه تفاجأ بغضب المسؤول عند سماعه لرأي مختلف مما اسهم في انهاء اللقاء قبل انتهاء الوقت الذي حدد له.
 اليوم وفي الوقت الذي يتطلب قيام الاردن بمراجعة المواقف والتحالفات وسط كم هائل من الدعوات والمقترحات والتخمينات تبرز الحاجة الى الدراسات الاستراتيجية المعمقة وأعمال المراكز البحثية المتخصصة في شؤون العالم وجيراننا وأصدقائنا.
من غير الممكن ان لا تستند القرارات على تحليلات تأخذ بعين الاعتبار الحسابات الدقيقة للخطوات المختلفة وتقدم سيناريوهات وبدائل تساعد البلاد على التمتع باستقلالية قرارها وتحقيق رغبتها في الاعتماد على الذات اقتصاديا وسياسيا وعلميا أيضا.

رأيك في الموضوع

التعليقات تعبر عن ارآء قراء الموقع و ليست بالضرورة تعبر عن رأي الموقع

جميع الحقوق محفوظة.