ما بعد الاستفتاء في كردستان العراق وما قاله فؤاد عارف لصدام حسين

05 تشرين1 2017
411 مرات

الان وبعد ان هدأت هبة الاستفتاء وخفتت نشوته الطاغية لابد من تقييم هادئ لنتائجه ولحسابات الربح والخسارة ، ليس فقط لمن قام به وانما لإقليم كردستان العراق خاصة  وللعراق عموما. مع الاعتراف ان اي تقييم بهذا الخصوص لا يمكن ان يكون مقبولا لكل الاطراف اولا ولا يمكن ان يكون محايدا ثانيا مهما حاول اي كاتب خاصة اذا كان من أبناء العراق بالذات. فالمشاعر الوطنية لا تعرف الحياد والمسائل المصيرية لا تعرف المهادنة او اية محاولة لمسك العصا من الوسط. و من هنا فاني اعترف باني ترددت كثيرا في الكتابة خشية ان أكون منحازا او غير منصف، ولكني سأحاول جهدي وعسى ان أوفق.

 

لا ادري لماذا عادت الى ذهني في يوم ٢٥ أيلول الماضي ذكريات يوم ٢ آب ١٩٩٠، عندما قرر الرئيس الراحل صدام حسين اجتياح الكويت ضاربا عرض الحائط كل التبعات الخطيرة التي قد تتمخض عن مثل هذا العمل. وبالتاكيد انا هنا لا أشبه الاستفتاء بالاجتياح، ولكن ما أعاد الذكرى الى ذهني هو حالة النشوة والابتهاج العارمة التي اجتاحت الشارع العراقي بعد هذا العمل المحفوف بالمخاطر الجمة والعظيمة، ولم يستمع احد الى صوت العقل الذي كان ينادي بالعدول عنه والانسحاب، ولم تقبل القيادة العراقية آنذاك كل التنازلات الكويتية والتي كانت كبيرة جدا، ولم يع العراقيون الذين اندفعوا بتأييدها ، خطورة هذه الخطوة الا بعد أشهر عندما بدا الحصار يؤرق عيشهم ويعض في جنباتهم ، ثم لعنوا اليوم الذي حل فيه هذا العمل عندما دمرت مدنهم وبلادهم ثم احتلت .

 

 

 

ابتدا يجب الاعتراف بان السيد مسعود البرزاني بإصراره على اجراء الاستفتاء قد حقق شعبية كبيرة وغيرمسبوقة بين أكراد العراق، وربما بين الاكراد في الدول الاخرى ايضا، وهذه الشعبية والنشوة التي صاحبت العملية ربما جعلت قيادات الاقليم تتجاهل عن قصد او ببساطة تفكير النتائج السلبية التي قد تنتج عن هذه العملية. ولقد عبرت احدى الصحف البريطانية الكبرى عن ذلك اصدق تعبير عندما قالت ان قيادة الاقليم نجحت في إظهار الرغبة في الاستقلال ولكنها وجدت نفسها بعده بأنها غير قادرة على تحقيقه. ويمكن ان أضيف هنا بأنها ليست فقط غير قادرة وانما ربما ستجعل الاقليم يخسر كل المكاسب التي تَحَصَلَ عليها منذ عام ١٩٩١ ولحد الان، وتنقلب الشعبية الى نقمة. من ناحية اخرى فان نتيجة الاستفتاء تحمل الكثير من علامات الاستفهام. فعلى الرغم من وجود دلالات واضحة كانت توكد على ان أغلبية ستقول نعم في الاستفتاء، الا ان مصادر كردية نشرت ما يدلل على وجود تزوير كبير وتلاعب في النتائج. ثم ان القول بان هناك خمسة ملايين ناخب كردي يحق لهم المشاركة في الاستفتاء لا يمكن ان يكون حقيقيا لانه وبعملية حسابية بسيطة اذا كان هذا العدد حقيقيا فان مجموع سكان الاقليم يجب ان يكون مابين ١٢ و١٥ مليون نسمة، على أساس ان ثلث السكان تقريبا هم من المؤهلين للإدلاء برأيهم. كما شكك البعض في حقيقة ان ٩٣٪‏ قالوا نعم في الاستفتاء، لان النتائج لم تظهر حقيقة استفتاء كل محافظة مقارنة مع عدد سكانها. وحقيقة ان الاقليم لم يجر مسحا سكانيا قبل الاستفتاء امر يشكل طعنا اخر في النتائج. وأخيرا فان حقيقة ان تكون اكثر نسبة ممن قالوا لا جاءت من حلبجة التي استخدمها السيد البرزاني في دعايته كثيرا تبقى ذات دلالة اكبر. وربما تكون نسبة نعم في أربيل ودهوك قد ضخمت بصورة كبيرة، وان هذه النتيجة عممت على باقي المناطق. وهذا كله حسب مصادر وكتابات كردية.

 

كما ان حقيقة ان اغلب القيادات الكردية الرافضة للاستفتاء والمترددة في دعمه اضطرت للقبول به بسبب خوفها من خسرانها للتأييد الشعبي او ان تتهم بأنها ضد هدف قومي كبير، كانت ايضا واضحة في التصريحات التي سبقت الاحدث. ولكن هذه المواقف المعارضة سوف لن تبقى مخفية وانما ستظهر بوضوح في الأيام القادمة وستكون أوضح في معارضتها لهيمنة السيد البرزاني ولعائلته على شؤون الاقليم، خاصة بعد توضح الرد الإقليمي والدولي وتأثير الاجراءات التي اتخذت ضد الاقليم على الحياة اليومية لأبناءه وسكانه.

 

من اهم مبادئ العمل السياسي هو ان يكون الهدف واضحا وان تكون القدرة على الوصل اليه مدروسة والاهم من كل هذا هو ان تكون هناك قدرة على الحفاظ على النصر اذا ما تم. نعم لقد نجح السيد مسعود في تحديد الهدف والسعي اليه بكل الوسائل ولكن السؤال الان هل هو قادر على الحفاظ والتمسك به وتعزيز ما تحقق؟ ان كل الدلائل تشير عكس ذلك، لقد لاحظ المراقبون الخارجيون ان قيادة الاقليم وبعد ايّام قليلة جدا من انتهاء الاستفتاء اصابها نوع من حالة من الذهول والاستغراب وعدم التصديق لردود الفعل المحلية والإقليمية والدولية لقرارهم. لا بل ان البعض لاحظ ان هناك عدم قدرة للتعامل مع ما يجري حول الاقليم باستثناء إطلاق التصريحات النارية والعاطفية والحماسية والشعبوية والتي لا تسمن ولا تغني من جوع. كما لاحظ اخرون ان لهجة اغلب القيادات الكردية التي دعمت الاستفتاء انقلبت بين ليلة وضحاها من تصعيدية وعدائية و استفزازية الى لهجة لينة وتصالحية وناعمة، وأصبحت نفس القيادات تتحدث ولأول مرة عن الإخوة العربية الكردية وعن التاريخ المشترك بين الشعبين وعن (اهلنا العرب) في العراق، وعن حقيقة ان كردستان جزءا من العراق وعن واجب الدولة في الدفاع عن وحماية كل العراقيين والأكراد جزءا منهم. وطبعا وكالعادة ظلت لهجة هؤلاء القادة الين وألطف وأخف وأكثر احتراما مع الجهات الخارجية وخاصة تركيا وايران.

 

في المقابل فان من تصورته القيادة الكردية شخصا ضعيفا وغير قادر على مواجهة مثل هذا الموقف، السيد العبادي، و بانه سيخضع مكرها عليه، تصرف بصورة مغايرة تماما، فاولا ، وهو الأهم ، انه لم ينجر الى التهديدات و الاستفزازات ولم يستخدم اي شكل من أشكال العنف في رفض الاستفتاء، وثانيا انه لجأ الى السياسة الناعمة ، و الى الأساليب القانونية والدستورية في فرض رأيه،  واتخذ قرارات عجزت قيادة الاقليم عن تحديها وتجاوزها او العمل ضدها. صحيح ان الدستور السيء والملغوم والذي كتب بطريقة كان يجب ان تودي الى هذه النتيجة، كما صرح السيد البرزاني علنا قبل يوم الاستفتاء، الا ان الدستور ايضا وفر للسيد العبادي ارضية لكي يبقي العراق موحدا. واذا ما نجح السيد العبادي في ان يفرض قرارات المركز على الاقليم وقرارالبرلمان القاضي باقالة محافظ كركوك وتعيين محافظا جديدا، واذا ما نجح في تحويل موارد المنافذ الحدودية وكذلك موارد النفط المصدر من الاقليم ومن كركوك الى الخزينة الاتحادية وباشر بدفع رواتب موظفي الاقليم، وعمل على عدم تجويع أبناء المحافظات الكردية، فانه سينجح في الصراع الدائر حول كسب تأييد أبناء الاقليم. علما ان كل هذه الخطوات هي خطوات دستورية ومن حق السلطات الاتحادية.

 

من ناحية اخرى جاء رد الدول المجاورة ، تركيا وايران،  وكما كان متوقعا جدا، عنيفا ورافضا وسَانَدَ بذلك موقف رئيس الوزراء العراقي. ثم ان المجتمع الدولي والمنظمات الدولية كالأمم المتحدة والاتحاد الأوربي والجامعة العربية كلها كانت وظلت داعمة لموقف العراق الرسمي. ولو ان هناك بعض الإشارات تقول ان الولايات المتحدة تلعب دورا مزدوجا في القضية، وان السيد البرزاني لم يكن ليجرؤ على اتخاذ هذه الخطوة والاصرار عليها لولا وجود موافقة أمريكية ضمنية، الا ان التصريحات الرسمية للبيت الأبيض ظلت مواظبة على رفض الاستفتاء وهذا ما آقلق القيادة الكردية اكثر وأربك حساباتها. أضف الى ذلك فان المرجعية في النجف اصطفت هي الاخرى مع الرافضين ولو ان رأيها هذا كان يجب ان يعلن قبل الاستفتاء وليس بعده.

 

ان الأيام القادمة تبقى حبلى بالتطورات وربما المفاجئات، وكل الدلائل تشير الى ان هذه التطورات ستكون عكس رغبة السيد البرزاني، الا اذا حدث ما لم يكن في الحسبان وخرجت الولايات  المتحدة مثلا بموقف جديد حسب نصائح زلماي خليل زاد السفير السابق ومعه وحوله مجموعة من داعمي تقسيم العراق ومن مؤيدي الكيان الصهيوني الأشداء ، والذين تواجدوا جميعا في أربيل منذ قبل الاستفتاء وأثناءه ، وبعكس ذلك سوف لن يكون امام السيد البرزاني و القيادات التي أيدته سوى البحث عن مخرج يحفظ لهم ماء الوجه، وهو ما يحب ان توفره لهم بغداد. ان الدعم الاسرائيلي، وهو الوحيد الصريح في هذا المجال، سوف لن ينقذ القيادة الكردية من مأزقها. وفِي الحقيقة ان هذا الدعم هو ما جعل ايران اكثر اندفاعا من غيرها في الوقوف بوجه هذا المشروع لأسباب لا يمكن ان تخفى على اي مراقب. وحتى تركيا، التي صرحت بعض القيادات الكردية العراقية بأنها مؤيدة في الباطن للإقليم ومعارضة في العلن شفهيا، ثبت لحد الان انها غير ذلك. وما لم ينتبه له قادة الاقليم هو تصريح السيد اوردوغان الذي قال فيه ان اي تقسيم لدولة العراق والتي رسمت حدودها بموجب اتفاقية لوزان ١٩٢٣ ، سيعني نهاية هذه الاتفاقية واعادة ولاية الموصل القديمة بمحافظاتها الكردية وكركوك الى تركيا. بكلمة اخرى ان طموحات الاقليم اذا ما أعلن الاستقلال قد تنتهي بان يكون اما جزءا من تركيا التي يعلم قادة الاقليم جيدا كيف تتعامل مع القضية الكردية او في قتال دام معها. اما الأصوات والمبادرات التي تدعي بأنها عراقية عربية والتي تحاول ولأسباب طائفية ان تصطف مع قيادة الاقليم الان لمنافع انية فإنها لا تختلف عن الأصوات والتحركات التي تآمرت على العراق واصطفت مع الولايات المتحدة وبريطانيا وساندت الاحتلال وبررت قيامه وأيدته قبل خمس عشرة سنة. ولا ادل عن فشل هذه المبادرات التي أيدها الاقليم لانه لا تلزمه بشئ اولا ولأنها تمنحه دعما عربيا ورسميا هو بأمس الحاجة له ثانيا، هو رد السيد البرزاني على بعضها بالقول انه مستعد للقبول بالحوار وتأجيل الاستقلال لمدة سنتين، اي ان لاستقلال والانفصال أمر لا يقبل النقاش لديه رغم كل المخاطر التي تحيط بالإقليم نتيجة لقراره. لا احد ينكر على الشعب الكردي حقه المشروع في الحفاظ على هويته القومية، ولا احد ينكر عليه ان يعبر عن رأيه بحرية تامة، ومن دون رفع الاعلام الإسرائيلية،  ولكن على القيادات الكردية ان لا تنكر ايضا ان النضال العربي- الكردي المشترك في العراق، وليس الدعم الخارجي، هو الذي مكن الاكراد من تحقيق مالم يحققه الاكراد في الدول المجاورة الاخرى، من حكم ذاتي وفدرالية موسعة. ان محبي الشعب الكردي من العراقيين كانوا ولا يزالون  فرحين بالتطورات الإيجابية التي حصلت في الاقليم رغم الفساد الظاهر ورغم الدور السيء الذي لعبته الاحزاب الكردية مع الاحزاب الطائفية التي جاء بها الاحتلال في إيصال العراق الى هذا الدرك المؤسف، ولكن هؤلاء المحبين يشعرون في نفس الوقت ان محاولة تحقيق طموحات جزء من الشعب العراقي يجب ان لا تكون على حساب الغالبية العظمى من العراقيين او على حساب العراق الحبيب ككل. ولهذا فان الحاجة الان ماسة لإيجاد ارضية مشتركة بين الشعبين العربي والكردي في العراق كما في السابق، ولتغليب صوت العقل على العاطفة وإلا فان الجميع سيكونون في عداد الخاسرين.

 

لقد روى لي شاهد عيان منذ زمن بعيد الحادثة التالية وقال : في سبعينيات القرن الماضي اجتمع الرئيس صدام حسين مع المرحوم اللواء فؤاد عارف الشخصية الكردية العراقية  النبيلة والمعروفة واحد الضباط الأحرار، محاولا استثمار مكانته العالية بين الاكراد للتوسط بين الحكومة وقيادة المرحوم الملا مصطفى البرزاني ، وفِي هذا اللقاء اشتكى الرئيس من عدم تجاوب الملا مصطفى مع الجهود التي يبذلها العراق من اجل ترسيخ حل القضية الكردية على أساس الحكم الذاتي الذي وقِعَ في آذار ١٩٧٠، وقال لعارف انه ورغم كل جهود وانجازات الحكومة فان الملا لا يزال يرتبط بعلاقات وثيقة مع شاه ايران الذي يستخدمه والحركة الكردية ضد العراق و علاقات أقوى مع اسرائيل و الولايات المتحدة المعاديتين للعراق ،  وانه،  اي الملا ،  يضع علاقته بالعراق في المركز الرابع او الخامس وربما العاشر. وكان جواب فؤاد عارف هو التالي ( يا ابو عدي (صدام حسين) اذا سالت عن أفضل مطرب في العراق فسيقولون لك فلان وهو كردي، واذا سالت عن أشهر لاعب كرة قدم فسيقولون لك فلان وهو كردي ، وكذلك الحال مع أشهر طبيب جراح وأشهر مهندس او أشهر أستاذ شريعة  في العراق فستجد كلهم أكراد، ويبدو ان الاكراد في العراق أنجبوا كل مشاهيره ولكنهم فشلوا في إنجاب سياسي محنك قادر على ان يقود الشعب الكردي بحنكة وحكمة). ويبدو ان هذا المقولة لا تزال سارية. اذ رغم كل ما تعرض له الاكراد من غدر وخيانة على يد القوى الخارجية الا ان قيادتهم لا تزال تعتقد بان الاعتماد على الوعود والدعم الخارجي يمكن ان يحقق لهم طموحاتهم . وان هذه القيادات مستعدة لتقديم التنازلات الى كل الاطراف الخارجية ولكنها غير مستعدة لتقديمها للعراق. من ناحية اخرى فانه لا يمكن اغفال حقيقة ان كل ما يحصل في العراق اليوم هو نتيجة طبيعية لكل السياسات الطائفية التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة بعد ٢٠٠٣، والتي كانت الاحزاب الكردية متحالفة معها وجزءا منها حتى وقت قريب، والتي كان المحتل الامريكي يغض الطرف عنها بل ويدعمها لتدمير العراق، والسؤال المهم الان هو هل  ستكون نهاية وجود داعش وصدمة رد الفعل الإقليمية والدولية على الاستفتاء بداية لمرحلة جديدة يسود فيها العقل والحكمة واحترام كل مكونات الشعب العراقي والقضاء على الفساد والفرقة والتهميش، ام انها ستكون بداية لعودة لغة السلاح وانتشار المليشيات وتوسل كل طرف بأطراف خارجية كي تقف الى جانبه، وحروب داخلية لا تنتهي؟ حفظ الله العراق وشعبه بكل مكوناته من كل سوء.

رأيك في الموضوع

التعليقات تعبر عن ارآء قراء الموقع و ليست بالضرورة تعبر عن رأي الموقع

جميع الحقوق محفوظة.

آخر الأخبار