كيف تغيرت عمان؟

12 آب 2017
2046 مرات

لا شيء يبقى على حاله. تلك جملة آثرنا دائما أن نقولها من دون أن نتمثل معناها الحقيقي. هي لازمة لأحاديثنا التذكرية عن الماضي، وكيف كان الزمن حين ظنناه جميلا.
بالأمس، انتبهت إلى أنني لم أعد أعرف عمان. أخذت طريقي من جهة الدوار الأول في جبل عمان باتجاه وسط البلد. سرت معاكسا للسير، هبوطا، من شارع محلات بيع الطيور وأسماك الزينة، غير أنني اكتشفت أنه من ما باب واحد مألوف.
لكن هذا الأمر ليس حكرا على تلك المنطقة فقط، بل يمكن تعميمه على جميع مناطق العاصمة التي توسعت واختلفت إلى الدرجة التي بات من الصعب الشعور معها بأي ألفة، خصوصا مع التوسع الكبير خلال العقدين الأخيرين، ودخول أنماط معمارية "هجينة"، ولا تعبّر عن روح عمان.
قبل أسابيع قليلة، أيضا، أحببت أن أسير في شوارع الخطيب والبحتري والمطران في منطقة الدوار الثاني بجبل عمان. إنها المنطقة التي تفتح وعيي عليها في العاصمة حين دخلتها وأنا لم أعبر بعد نحو عامي العشرين.
في هذه المناطق، خصوصا شارعي البحتري والمطران، كان يمكن إيجاد بقايا البرجوازية العمّانية قبل أن تستبد بها حمى الهجرة إلى غرب المدينة التي كانت في سباق مع التمدد والخروج عن مألوفها.
لم تعد الصور كما كانت من قبل، فالبحتري والمطران كانا يمثلان نسقا معماريا أصيلا، مع بيوت كلاسيكية من الحجر، الذي ميز الطابع المعماري للمدينة. اليوم، ما يزال الحجر طاغيا في تلك المناطق، ولكن هناك تداخلات عديدة شوّهت الهوية الجماليات التي كانت سائدة قبل ثلاثة عقود فقط، ونسفت الهوية المعمارية للأحياء الأولى التي تشكلت منها المدينة.
في الدوار الأول، حيث "شارع الرينبو" الآن، هبوطا باتجاه البلد، كانت المنطقة محجوزة للارستقراطية التي اتخذتها مقرا لها مع بدايات تشكل المدينة قبل أكثر من قرن. البيوت التي تم بناؤها في ذلك الوقت كانت تعبر عن هوية خاصة لمدينة في طور التشكّل. اليوم ما تزال تلك البيوت قائمة، ولكنها بالتأكيد تختلف كثيرا في صورتها عما كانت عليه في السابق، إذ اتشحت بالطابع التجاري الاستهلاكي من خلال استدخال ديكورات حديثة لم تكن متماشية مع روح الحي، ما سبب تشوّها بصريا لا يمكن إنكاره.
قد يكون من الجميل أن "شارع الرينبو" تم إحياؤه من جديد، وتم الحفاظ على العمارة فيه. لكن من المهم أيضا أن نحتفظ ببعض الجماليات التي ميّزت هوية المدينة قديما، وأن تكون الاستفادة التجارية من الأحياء القديمة متماشية مع روح العصر الذي تم بناؤها فيه، كما يتوجب أن يكون دخول الديكور محسوبا تماما، وأن يعبر عن تلك الروح ويعززها، لا أن يأتي نشازا وغير منسجم معها.
المدينة التي ما يزال يحلو لنا أن نسميها "مدينة الجبال السبعة"، تمددت واتسعت لتحتلّ أكثر من عشرين جبلا اليوم، والغريب أنه ما من شيء يوحد بين عمارتها، فقد تركنا للتجار والمستثمرين مهمة إعطائها هويتها الحديثة، بينما تحددت مهمتنا الأساسية بجباية الرسوم والضرائب على البناء!

رأيك في الموضوع

التعليقات تعبر عن ارآء قراء الموقع و ليست بالضرورة تعبر عن رأي الموقع

جميع الحقوق محفوظة.

آخر الأخبار