قوة النساء وقوة السياسة

05 آب 2017
2098 مرات

تتيح التعديلات التي أجراها البرلمان أخيرا على قانون العقوبات، وأدت إلى إلغاء المادة الشهيرة 308 التي كانت تبيح تزويج المغتصب من الضحية ووقف ملاحقته قانونيا ، إعادة التفكير في مصادر قوة النساء في المجتمع الأردني مع تصاعد الإصلاحات التشريعية في آخر عشر سنوات لصالح تحديث موقف الدولة والمجتمع في الأردن من المرأة ، وبالتالي فتح الباب واسعا للتفكير من جديد في الآليات والمداخل الممكنة لتحديث المجتمع الأردني من خلال تصعيد قوة النساء لأنها باختصار قوة مهدورة  في الاقتصاد والمجتمع والسياسة دون إغفال أن هذه القوة تتأسس على الحقوق والإنصاف.  
من يقف وراء تعديل المادة 308 ؟ هل صحيح أن البرلمان هو صاحب الفضل؟ وهل فعلتها الحكومة أخيرا؟  فبعد نضال نخبوي – مدني ثم  مجتمعي، ومطالبات بدأت خجولة منذ أكثر من عقدين تم إلغاء هذه المادة. صحيح أن هذا الإنجاز يحسب للحكومة الحالية وللمجلس النيابي الثامن عشر، وكان رئيس الوزراء هاني الملقي قد دافع بقوة عن مشروع التعديلات واعتبر أن هذه التعديلات أساس لحماية الأسرة الأردنية وقيمها القائمة على العدل والمساواة والتسامح ، فيما ناقشت حكومة الدكتور عبدالله النسور السابقة في آخر أيامها إجراء هذه التعديل المفصلي، وبعد ذلك جاءت توصية اللجنة الملكية المختصة بإصلاح القضاء الداعية لإلغاء هذه المادة، وعلى الرغم من أن المجلس وافق بالأغلبية على إلغاء هذه المادة فقد كانت  توصية اللجنة القانونية ذاهبة نحو تعديل المادة وليس شطبها والتمييز بين حالات الاعتداء وحصر حالات الملاحقة القانونية في ثلاث حالات، وعقب ذلك التصويب هدد عدد من أعضاء اللجنة القانونية بالاستقالة من هذه اللجنة وشكك نواب بصحة التصويت.
في المحصلة يبدو أن من يقف خلف هذه المادة توجُّه عام للدولة جاء بضغط مدني واجتماعي ودولي ايضا، ويبدو أن البرلمان الحلقة الأضعف فيه وهذا ما لم نكن نتمناه. 
أطلقت أكثر من 52 منظمة مجتمعية في عام 2015، تحالفا مدنيا يهدف إلى إلغاء المادة 308 من قانون العقوبات بدعم مالي من الوكالة الأميركية للتنمية، وصعّد هذا التحالف حملات واسعة لكسب التأييد وسط مساندة إعلامية جريئة، قبل ذلك أخذت الأصوات التي تدعو إلى تعديل هذه المادة تُسمع بقوة في المحافظات، وفقط أقتبس ما وجدته منشورا على لسان الناطق  باسم مجلس عشائر الكرك صبر الغصاونة، في كانون الأول 2015 الذي قال "إن العادات والتقاليد والأعراف العشائرية تهدف إلى حماية الحق والعرض والممتلكات، وليست ضد أحد في المجتمع، فالخصوصية التي تتمتع بها المرأة في العرف العشائري وقدسية مكانتها، تستدعي أن يكون هناك توافق بين العرف والقانون في حفظ حقوق المرأة وكرامتها".
 يحلو للبعض أن يصور لنا أحيانا أن الدولة حداثية أكثر من المجتمع، قد يكون هذا الأمر صحيحا إلى حد ما وفي بعض الملفات، ولكن في نفس الوقت ثمة نخب سياسية وإدارية تجد مصالحها في الإبقاء على كل مظاهر المجتمع التقليدي وتقاوم الحداثة بمفهومها الحضاري، لذا نجد هذه النخب تحتمي بقصة المجتمع المحافظ والتقاليد والأعراف وأحيانا تربط ذلك بالاستقرار، وفي الحقيقة هذا ما يطيل من عمر معركة تحديث المجتمع وبالتحديد في الملفات المتعلقة بالمرأة، علينا أن نتصور لو ذهب البرلمان إلى حسم هذه المادة منذ عقد وحدّ من زواج الأطفال وحمى حقوق المرأة في العمل والإنتاج؛ بالتأكيد سيكون وضعنا أفضل اليوم.
باختصار شديد، تحديث المجتمع الأردني ليست مسألة "كبسة زر" تحدث بين ليلة وضحاها، ولكن الكثير من متطلباتها لا تعدو أكثر من إرادة سياسية؛ فالمجتمع مستعد من زمان.

رأيك في الموضوع

التعليقات تعبر عن ارآء قراء الموقع و ليست بالضرورة تعبر عن رأي الموقع

جميع الحقوق محفوظة.