أوهام العمل الخيري

19 حزيران 2017
435 مرات

يشكل شهر رمضان مناسبة لدى أبناء الطبقة الوسطى للشعور بازدهار الأعمال الخيرية، ولكن لا ندري هل هذا الشعور حقيقي أم وهمي. ورغم محاولة فئات اجتماعية تقديم مساعدات رمزية تحت تأثير العواطف الدينية، إلا أنه لا توجد لدينا بيانات حقيقية حول حجم هذا القطاع، وهل تساهم فيه الفئات الأكثر قدرة أم أن الأعمال الخيرية، إلى هذا اليوم ما يزال هذا القطاع الاقتصادي لدينا غير منظم ومشتتا ويعاني من التضخيم والمبالغة أحيانا، ومن التوظيف السياسي أحيانا أخرى، وهنا ليس سرا أن أكبر منظمات العمل الخيري ترتبط بتنظيمات سياسية بشكل مباشر أو غير مباشر.
هناك فجوة تشريعية وتنظيمية وأخرى مجتمعية في تنظيم القطاع غير الربحي، وتحته تأتي مشاكل أكثر تعقيدا في العمل الخيري. لقد فشلت المؤسسات المجتمعية في خلق شبكة أمان اجتماعية قادرة أن تصل إلى القرى البعيدة، وإلى الأحياء الفقيرة في المدن الكبيرة، رغم أن جهود الإغاثة والدعم والمساعدات الخيرية تشكل قطاعا اقتصاديا مهما في الاقتصاد العالمي، بينما ماتزال النظرة المحلية تختصر هذا النشاط في هامش موسمي مصبوغ بصبغة دينية تقليدية.
تنطوي جميع الأنشطة التي عادة ما يصفها الخطاب الإعلامي المحلي بالأعمال الخيرية والعمل التطوعي، وصولا إلى المسؤولية الاجتماعية لقطاع الأعمال أو غيرها من مسميات تحت مجال القطاع غير الربحي حسب تصنيف الأمم المتحدة، حيث أدخل العديد من الدول هذا القطاع في حساباتها القومية وتساوي مساهمة هذا القطاع في الناتج الإجمالي العالمي حسب دراسة لجامعة جون هوبكنز نحو 5,6 % من الناتج الإجمالي العالمي وهي نسبة غير قليلة، وتصل في هولندا 15,9 % وفي كندا 12 % وفي إسرائيل 11 % وجاءت مصر بنسبة نحو 3,2 %، بينما جاءت الباكستان في الترتيب الأخير في القطاع غير الربحي والعمل التطوعي، بمعنى أن المجتمعات العربية والإسلامية في ذيل القائمة.
علينا أن نصحو من وهم أن الدين هو المصدر الأول والأخير للأنشطة الخيرية والأعمال التطوعية والمسؤولية المجتمعية، الدين هو أحد مصادر هذا العمل، ولكنه ليس جميعها وليس أهمها أيضا. ما نزال نعاني من أزمة ثقافية في تعريف الالتزام نحو المجتمع ومكانة الدين في الأخلاق العامة، إن الرغبة التاريخية في إصباغ الأخلاق العامة بالصبغة الدينية، واقتصار قيم الإيثار والتكافل والعمل من أجل الآخرين بمفهوم ديني ضيق بعيدا عن فهم سياق التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للمجتمعات قد جعل العالم الإسلامي ومنه بلداننا العربية هي الأفقر عالميا في هذه القيم والممارسات، ليس لأن الإسلام لا يعلو بهذه القيم، بل لأن المسلمين المعاصرين عاجزون عن فهم السياق الحضاري الراهن وممارسته ما يجعل الأطر الفكرية الأولية تحتل المجال العام وتسيطر عليه.
علينا أن نلاحظ كيف ازدهرت الوقفيات في الحضارة العربية الإسلامية في القرنين الرابع والخامس الهجريين في سياق التطور الحضاري الذي ساق بعض التعددية والحريات الفكرية، وبالمناسبة فمؤسس الوقف الإسلامي من أجل التعليم هو الخليفة المأمون الذي انفتح على العلوم والفلسفة وحاربه دعاة الأفكار الظلامية في زمنه. في ذلك الزمن قدمت المجتمعات العربية أمثلة متقدمة في الإنفاق من أجل النفع العام حتى وصلت الوقفيات إلى كل مناحي الحياة في المعاهد العلمية والمدارس والجرايات على طلاب العلم وبناء المستشفيات وحتى وصلت الحمامات العامة الراقية الموقوفة للنفع العام الى كل زاوية وخانة في المدن. ولم يكتف من يمنحون أموالهم للنفع العام بتقديم الأموال وهم يتأففون كما يحدث اليوم، بل ساهم أولئك في تطوير النظم العامة سواء في التعليم أو الصحة أو الطرق أو المباني العامة حينما كانوا يملون شروطهم في وثيقة الوقف كيف يصرف ونوعية الخدمة التي تقدم.
صحيح أن المجتمع الأردني لا توجد فيه عشوائيات سكانية، ولكن يوجد فيه الكثير من الفقراء، وصحيح أن الفقر لدينا لم يصل حد الجائحة لكنه يتنامى بسرعة، في هذا الوقت الذي تتكاسل فيه اليد الخفية الموكل إليها مهمة ضبط العدالة وتوزيع المنافع في ماكنة الاقتصاد، علينا أن نلتفت إلى حجم خطورة تسييس العمل الخيري وتسييس الفقراء.

رأيك في الموضوع

التعليقات تعبر عن ارآء قراء الموقع و ليست بالضرورة تعبر عن رأي الموقع

جميع الحقوق محفوظة.

آخر الأخبار