الخليج الجديد

10 حزيران 2017
736 مرات

على مدى سنوات مضت تغير الخليج العربي ليس فقط اقتصاديا بل وسياسيا. اليوم لا يمكن النظر للأزمة الخليجية الراهنة في ضوء العلاقات البينية التنافسية بين دول الخليج العربية؛ كما لا يمكن النظر لجذور الأزمة وأبعادها من منظور الصراع الإقليمي المحتدم على الأدوار منذ أكثر من عقدين. هذه الأزمة مرشحة للاحتواء أكثر من التفاقم، لكن هذا لا يعني أنها أزمة مقطوعة ولن تتكرر، أو أننا لن نشهد ظواهر سياسية وأمنية مشابهة خلال الفترة المقبلة. وكل ذلك يعني ضرورة البحث عن مدخل جديد لفهم الخليج الجديد.
شكلت عملية احتلال الكويت من قبل نظام صدام حسين في العام 1990، أكبر صدمة عاشتها نظم ومجتمعات الخليج، وعلى أساسها تتابعت موجات من العمل والتفاعلات السياسية التي أفرزت بدورها طبقات جديدة من القيم السياسية، لعل أبرزها الحساسية السياسية والتنبه الدائم لمصادر التهديد المجاورة، والمزيد من الشعور بالحاجة الى التكتل والعمل الاندماجي.
تزامنت هذه التطورات مع ثلاث بيئات جديدة: أولاها، نمو نخب متعلمة جديدة، أخذت تجد طريقها إلى مراكز صنع القرار في الصف الأول والثاني في هذه الدول. ولدى هذه النخب رؤية أكثر وضوحا للذات وللآخرين، ولإدارة المصالح. أما البيئة الثانية، فتتمثل بزيادة العائدات النفطية وعائدات الغاز، وما تشكله من فوائض ريعية قابلة للاستثمار السياسي. وقد لاحظنا ذلك في نوع الاستثمار في التنافس الإعلامي. وتبدو البيئة الثالثة في زيادة الإدراك لمصادر التهديد الداخلية المرتبطة بالتركيبة الديمغرافية والعمالة الوافدة، وتأثيرات الإسلام السياسي.
في وسط هذه البيئات، ساد منظوران في إدارة التفاعلات الخليجية: الأول، اندماجي، وإطاره المؤسسي مجلس التعاون. وهو يعنى بزيادة الإحساس بالهوية المشتركة. فيما الثاني تنافسي، قائم على فكرة الدور الإقليمي الذي تدور حوله الأزمة الحالية.
الخليج العربي يولد عبر عملية تاريخية تشهد هذه المرحلة أوجها؛ يولد مرة أخرى بعد ثلاثة عقود ونصف العقد من عهد الاستقلالات، ويولد بفعل إرادته ومرغماً في الوقت نفسه، وبإدراك من نخبة السياسة، وفي أحيان أخرى بإدراك متواضع لجوهر التحولات الحضارية والاقتصادية الاستراتيجية التي تعصف بكل شيء داخله ومن حوله.
يحدث ذلك في ضوء ما وفرته الفوائض النفطية من تراكم هائل في الثروات، مع استمرار أزمة التنمية ومجالات توظيف هذه العوائد، ومع تعاظم مصادر التهديد وازدياد حدة الاستقطاب الدولي والإقليمي المجاور. ويحدث ذلك أيضا في ضوء ازدياد الشعور بالقلق والخوف من القادم في بيئة تتكدس فيها وحولها أكبر ترسانات الأسلحة والجيوش الوافدة، بينما ما يزال نموذج التعاون الإقليمي الذي يمثله مجلس التعاون، على تواضع إنجازاته، التجربة الوحيدة الناجحة في التعاون الإقليمي العربي، بعد أن فشلت كل التجارب العربية التي حاولت اللحاق به.
إلى ذلك، فالخليج الجديد الذي يزداد في أوساط نخبه وقادة الرأي الشعور بالقلق على المستقبل، أصبح أكثر تنوعاً حتى في القيم السياسية للنظم الحاكمة، وأكثر حساسية لمسائل استراتيجية وأخرى حضارية ذات صلة بالهوية والمجتمع ومصادر التهديد المباشرة، وأكثر رغبة في التأثير؛ ليس في مصير شعوبه فقط، بل في مصير المنطقة بأكملها.
ثمة أجندة مصالح جديدة خليجية اقليمية ودولية ، تنقل هذه الدول الى ادوار وحالات جديدة؛ فالخليج تغير، ولكن بعملية تاريخية وليس بالثورات هذا ما حدث على مدى العقود الاخيرة، ولكن الفجوة بين دولة الرفاه وبين الهشاشة السياسية والاستراتيجية تزداد واحدى تعبيراتها الاكثر شدة الأزمة الخليجية – القطرية التي قد تكون بداية لأشكال جديدة من التغير غير المتوقع.
(يتبع)

رأيك في الموضوع

التعليقات تعبر عن ارآء قراء الموقع و ليست بالضرورة تعبر عن رأي الموقع

جميع الحقوق محفوظة.