بعد الليلة العاصفة

07 حزيران 2017
2131 مرات

هل يصمد مجلس التعاون الخليجي بعد تلك الليلة العاصفة؟ لا مفر من طرح السؤال، فالقرارات التي اتخذتها ثلاث دول خليجية بحق قطر، تجاوزت على ثلاثة عقود من العمل المؤسسي بين دول الخليج، وتخطت الاتفاقيات الموقعة بين أعضاء النادي الخليجي، ما تعلق منها بحرية تنقل الأشخاص والبضائع، والأجواء المفتوحة وسواها من التعاملات التجارية.
أمير الكويت الشاهد التاريخي على ولادة مجلس التعاون تحرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. في المرة الأولى وقبل أيام من القرارات العاصفة، حاول الرجل دفن الأزمة في مهدها، لكنه لم يتمكن، غير أنه عاد أمس من جديد لوقف التدهور الحاصل، واستعادة زمام المبادرة الدبلوماسية لتجنيب منطقة الخليج سيناريوهات أسوأ.
لكن حتى مع نجاحه في إقناع أمير قطر بتأجيل خطاب الرد على قرارات الحصار والعزلة الخليجية، واصلت الدول الثلاث اتخاذ إجراءات تجعل من قطر جزيرة معزولة بحق.
مهمة أمير الكويت صعبة للغاية، ومحفوفة بمخاطر الفشل، خصوصا إذا لم يلقَ دعما أميركيا. الدول الخليجية الثلاث وضعت قائمة طويلة من الشروط على القيادة القطرية الامتثال لها، للعودة عن العقوبات المفروضة على الدوحة. بالنسبة لقطر تطبيق هذه الشروط يعني انقلابا جذريا في السياسة القطرية، وتحولا سيكون له تداعياته على أكثر من مستوى.
في أزمة 2014 تمكنت قطر من الإفلات دون أن تتكبد أي خسائر. هذه المرة الوضع مختلف تماما، ولم يعد بمقدورها المراوغة.
لكن حتى لو تمكنت الوساطة الكويتية من تبريد الأزمة، وتدوير زواياها الحادة، وصياغة اتفاق حل وسط لوقف التصعيد المتبادل على أقل تقدير، فإن مجلس التعاون الخليجي لن يعود كما كان قبل الأزمة. المؤسسة الخليجية ضربت في الصميم، وثبت لشعوب الخليج العربي بأن ما كانوا يظنون أنه بيت من حديد، ليس سوى رابطة هشة لا تصمد أمام صراع الإرادات للوجوه المتنفذة في السلطة.
والخطر على البيت الخليجي لا يأتي من أزمة قطر وتداعياتها فقط، بل من دول أعضاء في المجلس لا تخفي تذمرها منذ سنوات، وقد تجد في التطورات الجارية فرصة للهروب من "بيت" تتداعى جدرانه.
هذه بالطبع ليست أخبارا طيبة للعالم العربي، فمجلس التعاون الخليجي هو الرابطة الوحيدة الباقية، خصوصا أن الأزمة تأتي في وقت تعاني فيه الرابطة الأم "الجامعة العربية" أوضاعا مأساوية، تقف معها عاجزة عن مد يد المساعدة للأشقاء في الخليج العربي.
الأزمة الخليجية هى ضربة جديدة لعالم عربي تعاني دوله المركزية من حالة انهيار تام، وتخفق مؤسساته في النهوض بمسؤولياتها، وتواجه بلدان عديدة فيه التقسيم واقعا لا مفر منه.
وعند النظر للنتائج المترتبة للأزمة الحالية، على المديين القصير والمتوسط، لا نجد أنها تختلف كثيرا عما تمخضت عنه كارثة غزو الكويت من قبل العراق، وما نجم عنها من خسائر سياسية واقتصادية، وما أفضت إليه من تحولات استراتيجية في التحالفات الإقليمية والدولية.
تمنحنا الأحداث الجارية فرصة للتأمل بحال أمتنا العربية، لنكتشف بعد وهم طويل أننا لم نغادر محطات التأسيس الأولى لكياناتنا السياسية.

رأيك في الموضوع

التعليقات تعبر عن ارآء قراء الموقع و ليست بالضرورة تعبر عن رأي الموقع