الطفل.. ونمو مشاعر تقدير الذات

28 كانون1 2017
658 مرات

 تشير الدراسات الحديثة، إلى أن الطفل يولد في هذه الحياة وعنده القدرة على التعبير عن مشاعره وردود أفعاله مستعملاً لغة ما قبل النطق، وهي مؤلفة من تسع إشارات فطرية يعبّر الطفل عنها باشتراك تعابير الوجه والأصوات ولغة الجسد، وبواسطتها يستطيع أن يعبِّر عن استجابته لجميع المنبهات والمثيرات سواء كانت داخلية أو خارجية كالأصوات.
وقد وُجدت هذه الإشارات عند جميع الأطفال في جميع الثقافات التي خضعت للدراسة حتى الآن.
ومنذ اللحظة الأولى لميلاد الطفل تشكل هذه الإشارات لغته للتعبير عن حاجاته ورغباته، وتعد القاعدة الأساسية التي ُتبنى عليها شخصية الطفل العاطفية المعقدة، وتتحول هذه الإشارات فيما بعد لتكوين اللغة المنطوقة التي تعبِّر عن المشاعر.
ويمكن تصنيف هذه الإشارات في مجموعتين:
- إشارات الفرح وتتضمن: الاهتمام، والاستمتاع، والمفاجأة.
- إشارات طلب المساعدة وتتضمن: المعاناة، والغضب، والخوف، والخجل، والاشمئزاز من الطعم والرائحة اللذين لا يستسيغهما الطفل.
ويعد الاهتمام والاستمتاع إشارتين إيجابيتين، أما المفاجأة فإنها تعيد تركيز الجهاز العصبي ليستجيب إلى المثير المفاجئ، وبالمقابل فإن إشارات المساعدة هي إشارات سلبية، وعلى ما يبدو فإن كثرة الإشارات السلبية ظاهرة ضرورية من مظاهر النمو، فمن أجل الحفاظ على النفس يحتاج الطفل إلى التعبير عن حاجاته إذا كان يعاني من مشكلة ما.
وتعقيباً على ما تقدم، نستطيع القول إن الطفل يولد وله قدرة عصبية مُحدّدة ينتج عنها مزاج ومواهب معينة، ولكنه لا يملك الإحساس الوطيد بكيانه، ويتكون لديه الشعور بالذات والإحساس بمكانته بين الآخرين بشكل بطيء، وذلك بمرور الوقت وتراكم الخبرات.
وعندما يجد الطفل أن هناك من يصادق على صحة إشاراته، ويستجيب له بشكل ملائم فيقوم بتهدئة قلقه وتعزيز سعادته، يبدأ إحساسه بوجوده الذاتي، وتعبيره عن ذلك هو أمر ذو أهمية، فيشعر الطفل بأن له قيمة، وهذا يشكل أساس نمو تقدير الذات عنده، وهو شعور يتألف من تحديد المرء لهويته وكيفية شعوره بنفسه وتوقعاته لمستقبله.
ومن الواضح أن تقدير الذات جزء أساسي لبناء الصحة العاطفية والحياة السعيدة الناجحة، ولا يختلف تقدير الذات عن كثير من عناصر نمو الطفل الهامة، فهو يتجذر أو يذوي حسب تعاملك مع إشارات الطفل، وذلك بزيادة إشارات الفرح إلى أقصى حد ممكن (الاهتمام والاستمتاع) والمصادقة على صحة إشارات طلب المساعدة وتلبيتها (المعاناة، والغضب). وبصفتك أبا أو أماً، فإنك أكثر الناس أهمية في عالم طفلك، فأنت من تقدّم له مفاهيمه الأولى عن نفسه، وتُخبره بمقدار أهميته ونظرة العالم الخارجي إليه عبر كل كلمة وكل إيماءة وتصرّف منك، فإذا بكى جائعاً، فأطعمته فأنت تقول له بتصرفك هذا إن أهم احتياجاته الرئيسة يمكن تلبيتها، وإذا ضحك وشاركته سعادته فأنت تخبره أنه محق في أن يجد السعادة في لحظات الاكتشاف في هذه الحياة. إن تراكم هذه الرسائل الإيجابية يساعد الطفل على الثقة بمشاعره ونظرته إلى العالم ككل، ويرسخ أساس تقدير الذات عنده.
وعلى مدى الأشهر والسنوات التالية، وعندما ينضج ولدك ويصبح راشداً، يصبح تقديره لذاته شبكة معقدة من العواطف والأفكار المتداخلة عن نفسه وعن كيفية رؤيته للآخرين، وكيفية رؤية الآخرين له، ومع ذلك فأنت تريد أن تحميه من أي خدش لمشاعر تقديره لذاته، إلا أن الحياة لا بد أن تخرق ثقة كل إنسان بنفسه في وقت ما مثل أن يأتيك يوماً بدرجات متدنية، أو حين تنقطع علاقته بصديق حميم، أو فيما بعد قد يُفصل من عمله، وقد يقول لك في تلك الحالات: "أشعر بالأسى لأني لم أحسن الاحتفاظ بصديقي، أو إنني لست جيداً في كذا".
وفي المقابل، قد تصدر اندفاعات قصيرة الأجل من الشعور بتقدير الذات نتيجة إنجاز جيد أحرزه، فالنجاح في المدرسة مثلاً قد يعزز تقدير الذات أو حتى يبالغ في تضخيمه، وفي الواقع فإنه من الشائع عند الأطفال، في مرحلة النضوج وعند الكبار أيضاً، أن يتقلبوا بين أحداث ترتفع فيها نسبة تقدير الذات، وأحداث تنخفض فيها تلك النسبة، ولكن الأساس المتين لتقدير الذات (الذي تبنيه الاستجابات الملائمة لإشارات الطفل، ويُغذى في مرحلة الطفولة)، سيساعد معظم الناس على الاحتفاظ بنظرة متفائلة عن حياتهم ومستقبلهم عبر رحلة عمرهم وتقلبات الزمن.
إن هدفك الآن، تجاه طفلك، أن تساعده على تنمية إحساس متين ومتوازن بنفسه إلى حد معقول، وسيساعده هذا الإحساس، في مراحل نضوجه، على إدراك مواهبه وقدراته على نحو صحيح، والاستجابة للحياة بمرونة، والنظر بواقعية إلى أهدافه وقدراته، كما قد يساعده على الانفتاح على الأفكار الجديدة والاعتراف بأخطائه.
إن هذا الشكل من النمو مهم إذا أردنا للطفل أن يكون قادرا على محبة الآخرين حباً نبيلاً أصيلاً صافياً مخلصاً، ليبادله الآخرون حبهم.
إن زرع وتنمية مفهوم ذات إيجابي في نفس الطفل أمر غاية في الأهمية، فهو ركيزته في مواجهة تحديات الحياة، ومن هذا المفهوم تنطلق معظم قرارات المرء وتصرفاته؛ وبذلك يحدث التوازن النفسي. إن احترام الذات، في رأي علماء النفس، لا يعني الثقة بالنفس لأن هذه لا تنطبق إلا على تصرفاتنا، فهي تلعب دوراً في خوفنا أو عدم خوفنا من الفشل أو من الحكم الخاطئ على الآخرين.
ويمكن القول إن الثقة بالنفس هي أحد مظاهر احترام الذات، وهناك أيضاً حب الذات والنظرة إليها، وهي أمور تحدد انطلاقنا السلبي أو الإيجابي في المستقبل. وليس من الضروري أن تكون هذه المكونات الثلاثة (أي حب الذات والنظرة إليها والثقة في النفس) متوازنة فيما بينها، لكنها في كل الأحوال تؤثر في بعضها بعضا. ويُعد احترام الذات مفهوماً سيكولوجياً تجريدياً مثل الذكاء أو الضمير، ويصبح وجود هذا الكيان المعنوي ملموساً فقط من خلال الأفعال والتغيرات الشخصية المُدركة التي تُظهر الدليل على وجودها.
وهكذا، فعندما يحلُّ طفل مشكلة يمكن اعتبار ذلك دليلاً على الذكاء، وعندما يتصرف الطفل وفقاً لمعتقداته ضمن الصواب الأخلاقي يمكن اعتبار هذا دليلاً على الضمير، وعندما يطلب الطفل معاملة لطيفة يمكن اعتبارُ هذا دليلاً على احترام الذات.

رأيك في الموضوع

التعليقات تعبر عن ارآء قراء الموقع و ليست بالضرورة تعبر عن رأي الموقع

جميع الحقوق محفوظة.