حساسية أمير سعودي تظهر من جديد في الأردن: الرياض لا تفرق بين الموقف الرسمي وما يبوح به الشارع

10 آب 2017
692 مرات

مرة أخرى يتصدر السفير السعودي لدى الأردن الأمير خالد بن الفيصل المشهد وهو يقدم دليلاً مباشراً يصادق على رواية الكواليس الرسمية الأردنية التي طالما حذرت ولا تزال تفعل السياسيين والصحافيين من انتقاد السعودية على أساس أن نخب الرياض لا تفرق بالواقع بين منتقد ينتمي للقطاع المدني أو الشعبي وبين موقف الدولة الأردنية الرسمي.
السفير السعودي المحب كما يقول علنا للأردن بكل حال أثبت مؤخراً النظرية التي تقول بأن السعودية يمكنها أن تغضب أو تنزعج بالدرجة نفسها عندما ينتقدها أحد ما في الشارع الأردني أو حتى في الصحافة كما لو أن الانتقاد كان رسمياً أو حكوميا.ً
على هامش جلسة جمعته بنخبة من الإعلاميين والسياسيين مؤخرا لفت السفير الأمير نظر مجالسيه الأردنيين إلى تلك المفارقة عندما اعترض على ما يتردد في الشارع الشعبي الأردني حول تخلي بلاده عن مساعدة الأردن مظهراً ميله الشخصي للدور السلبي الذي تقوم به الحكومة الأردنية في تجاهل مؤشرات ذلك النقد الشعبي باعتبارها مسؤولة أصلاً عن تأخر الاستثمارات التي يتحدث عنها الشارع وتلمح لها الصحافة.
هنا حصرياً يمكن ببساطة ملاحظة أن ممثل الرياض في الأردن لا يريد التفريق بين مواطن أردني يدلي بملاحظات أو وزير أو مسؤول في الحكومة يتحدث عن الموضوع. والجرعة واضحة هنا في إظهار الاستعداد السياسي لمعاتبة أو مراجعة أو حتى محاسبة ومعاقبة الحكومة الأردنية على آراء لا تخصها لا بل لا تتبناها تصدر عن أشخاص أو جهات في إطار النقد المباح الذي توفره مظلة الحد الأدنى من الديمقراطية.
في الجلسة نفسها، وفي المفارقة الثانية عبر السفير عن امتعاضه من الحساسية المفرطة التي تظهرها السلطات الأردنية عندما يرفع مواطن أردني في أي مكان علم السعودية. ففي الواقع هذه الحساسية غير موجودة، والأردن الرسمي لا تزعجه رايات ورفع أعلام الشقيق السعودي الأكبر والسفير الأمير كان يعلق على مواطن أردني في منطقة الجفر رفع علم السعودية أثناء احتجاج قبيلة الحويطات على محاكمة أحد أبنائها في حادثة الجفر الشهيرة.
والواقع أيضاً يؤكد بأن أحدا في الصف الرسمي لم يراجع السفارة السعودية بأي شكل حول هذه الحادثة، مع أن السفير نفسه قال إن رفع علم السعودية في أي مكان في الأردن وخارجه مسألة لا تخص بلاده.
منطوق الحديث هنا يؤشر على مفارقة لا يمكن رصدها في السياق، لأن الدولة الأردنية وفي كل أجهزتها ومؤسساتها كانت ولا تزال تعتبر التعرض للسعودية حصرياً بأي صيغة من الخطوط الحمر بدليل أن الصحافة الرسمية لا تنشر حرفاً في السياق والأحزاب السياسية المرخصة تتحدث عما يحصل في كل العالم من دون التعرض للسعودية تحديداً. فمكانة السعودية في الوجدان الأردني متقدمة وحتى الدوائر المرجعية ترفض أي نقاش من السياسيين ورجال الدولة يمكن أن يفهم من سياقاته بأن الفرصة متاحة للاختلاف مع السعودية أو نقدها، وقد حصل ذلك فعلاً في اجتماعات مغلقة.
تلميحات السفير الأمير بالمناسبة تفسر تلك المبالغات التي طالما عايشها الوسط الصحافي والبرلماني والسياسي الأردني عندما يعترض وبخشونة ويحتوي فورا أي رأي يمكن أن يثير حساسية الشقيق السعودي. وقد حوسب فعلًا أحد البرلمانيين المعروفين بكل أصناف الحساب عندما لمح في جلسة خاصة مجرد تلميح إلى أن المساعدات السعودية تأخرت.
مبرر تدخل الموظفين والرسميين الأردنيين دائماً كان يستند إلى أن الشقيق السعودي لا يتخيل إطلاقاً نشر رأي أو مقال أو حتى مداخلة ضمن إطار حريات الإعلام. وكان يقال للجميع دوما بأن حساسية الماكينة السعودية مفرطة بالعادة، وأنها لا تؤمن بالتفريق بين الموقف الرسمي الحكومي وبين تعديل يصدر عن الشارع أو حتى تحت قبة البرلمان وفي الصحافة.
وفي العادة لا يشتري أصحاب الرأي هذه الرواية الرسمية، وكانت تعتبر دوماً مجرد غطاء لتقييد حريات الرأي عندما تلمس ولو مجرد لمس الموضوع السعودي. ويغير السفير الأمير بفمه هذه المعطيات، ويؤكد على تلك الفرضية التي تقول بأن واحدة من إشكالات التعامل والتعاون الاستراتيجي مع السعودية تتمثل في الذهنية التي لا تقبل التفريق بين موقفين أحدهما رسمي والآخر شعبي. ولعل هذه الذهنية هي المسؤولة عن مفارقة أردنية داخلية طالما أثارت حيرة وتساؤل المراقبين؛ حيث يسمح هامش النقد في الأردن بسلسلة طويلة من التعبير ضد الحكومة الأردنية نفسها، وكلام الشارع بكل أصنافه الموتورة والمأجورة والانفعالية وصل في بعض المراحل للدولة والحكم والإدارة العليا وليس للحكومة فقط.
تحتمل المؤسسة الأردنية وتصبر على منتج هامشها في التعبير والحريات، لكن طاقة الصبر تنفد عندما يتعلق الأمر بالسعودية تحديداً؛ حيث تخرج هوامش الحرية في التعبير عن سكة الخدمة. ووسط الحيرة والغموض يقدم السفير الأمير تفسيراً مباشراً لذلك اليوم وهو يعتبر أن الحكومة ينبغي أن تنقض على من يسأل في الشارع عن سبب التخلي السعودي عن مساعدة الجار الأردني، كما يعتبر بأن أي حساسية تجاه رفع أعلام السعودية ينبغي أن لا تولد.
إزاء مثل هذه الذهنية من أمير وسفير مثقف يحب الأردنيين كما يقول في مقالاته التي تنشرها صحيفة عمون الإلكترونية يمكن الآن فهم موجة الإفراط في الحساسية السعودية الناتجة عن سلسلة معقدة من تقاليد منع الرأي الآخر وقمع حرية التعبير على الأرجح.
وهي سلسلة قد تطيح برأي المحبين جداً للسعودية من الأردنيين وغيرهم بخطط الانفتاح الكبيرة التي يقترحها ويقودها الأمير محمد بن سلمان؛ حيث لا مجال للانفتاح الاقتصادي والاستثماري والسياحي، ولا مجال للتخفيف من جرعة الخطاب الديني للدولة بدون ثقافة سلوكية مستقرة تقبل النقد والرأي الآخر وتؤمن بالتعددية.
.. تلك أيضاً قصة أخرى ومختلفة تماما قد لا ترتبط بمفاجأة الدليل الذي قدمه السفير الأمير ببساطة والذي يفسر في النتيجة مخاوف وهواجس عقدة الرسميين الأردنيين تجاه مسألة من نوع حساسية الشقيق الأكبر المفرطة حتى عندما يتعلق الأمر ببوح مواطنين أو شارع شعبي.

رأيك في الموضوع

التعليقات تعبر عن ارآء قراء الموقع و ليست بالضرورة تعبر عن رأي الموقع

جميع الحقوق محفوظة.

آخر الأخبار